السبت، 28 يناير 2017

نحو رؤيةٍ تسعى للاكتمال.. قراءة في مجموعة "تأكلُ الطير من رأسه" للقاص/ مصطفى زكي

نحو رؤيةٍ تسعى للاكتمال
قراءة في مجموعة (تأكل الطير من رأسه)
للقاص/ مصطفى زكي


بقلم/ أحمد حنفي



"أخبرني بما سيحدثُ لي؛ لكني لم أصدقه. أخبرني بأني سأصلب وتأكل الطيرُ من رأسي"
(صياح أخير للديك، ص 38)

"يحكون بأنَّ أحد أجدادي البعيدين قد صُلب. كان محبوساً مع نبيٍّ تنبَّأ له بأنَّه سيصلب، وتأكلُ الطيرُ من رأسه"    
(الإغواء الأخير لرجل عادي، ص 44)
..............................................................................

الكاتب/ مصطفى زكي

إننا نتعامل مع كاتبٍ يرى في المطبوعِ مشروعاً ونسقاً مخططاً، وليس مجموعةً من القصصِ المتفرقةِ كُتبت في فتراتٍ متباعدةٍ وبطرائقَ مختلفةٍ وبمضامينَ تكون نتيجة انفعالٍ لحظي بحدثٍ أو بموقف..

إنه يكتب وجهةَ نظره .. رؤيته .. مشاكل وطنه وأزماته .. كما يطرحُ حلولاً تبدو في ظاهرها تخاذلاً وسلبيةً لكنها تحمل في طياتها ثورةً وتطلعاً للأفضل.
المجموعة (تأكل الطير من رأسه) إنما حقيقتها التي تبدو عليها أنها عدة بِنىً تشتركُ مجتمعة في تشكيل الرؤيا وتأطيرِ ملامحها.

أربعُ كراساتٍ تحملُ عناوين (نوستالجيا - حكايات قديمة - حظر - حلول) حوت جميعها تسع عشرة قصة، يسبق تلك الكراسات مدخل بعنوان (إيكاروس 1) ويختتم مجموعته بخروج (إيكاروس 2)
وقبل المدخل مباشرة يوجد تصديرٌ من كلمات الكاتبة المكسيكية (أمبارو دابيلا) تقول: "لقد عشنا ليلة ليست لنا، وسرقنا تفاحات، وأشاروا علينا بعلامةِ الصليب، ووصمونا بالخطاة"
في ضوء ذلك التصدير نستطيع استشراف الجو العام الذي سيغلف المجموعة ويلقي بظلاله عليها، ربما ما سنقرأ هو محاولات لا نهائية لانتزاع الفرحة من بين براثن الواقع الجاثم على صدورنا، وربما الحلم والأمنيات الذي ننتظر تحقيقها، كما نستطيع أيضاً استشراف خيبة الأمل وتوالي الإحباطات كجوٍ نفسيٍ يطلُّ برأسه من جملة "أشاروا علينا بعلامةِ الصليب، ووصمونا بالخطاة"


(المدخل- الخروج)

هناك ما يجمع تلك الكراسات بين دفتيه، قام بذلك كلٌ من المدخل (إيكاروس 1) والخروج (إيكاروس 2)، فما دلالة ذلك؟
(المدخل و الخروج) مستلهمان من أسطورة تنتمي للميثولوجيا اليونانية حول "ديدالوس" وابنه "إيكاروس" بعد أن سجنهما "مينوس" ملك جزيرة كريت داخل متاهة، الحل الذي ابتكره "ديدالوس" هو الخروج من المتاهة طائراً بعد أن ثبتا أجنحة على ظهريهما بالشمعِ، لينصح ابنه بعدم الاقتراب من الشمس أثناء الطيران، لم يسمع "إيكاروس" النصيحة واقترب من الشمس التي أذابت أجنحته وسقط.

المدخل والخروج قصة واحدة قُسِّمت على قسمين (إيكاروس 1) الأزمة والتفكير في الحل، ذلك الحل الذي ينطوي على أنانيةٍ مطلقة من "ديدالوس" لأنه (كان يعلم من داخله بأنه -إيكاروس- لن ينجو، وأنه سيكمل طريقَه وحده.. وأن "إيكاروس" سيذهب للأبد..) ص 11

أما (إيكاروس 2) تمثل فكرة الخلاص المتمثل في إرادة "إيكاروس" الحرة بالاقتراب من الشمس. وبذلك نجح الكاتب في أمرين هامين أحدهما فني والآخر تقني؛ الأمر الأول يتمثل في مبدإٍ من أساسيات الفنون بصفةٍ عامة وهو (مبدأ العزل والاختيار)؛ عزلَ من قصته - بجزأيها - أسماء بعض الأعلام بالأسطورة كما عزل أسباب السجن والتفكير بالهروب وتثبيت الأجنحة بالشمع - على الرغم من أهميته في توضيح أسباب السقوط - لقد قام (مصطفى زكي) بعزل كل ما سبق ليتبقى الحدثُ مكثفاً مركزاً، كان التبئير لديه مسلطاً على فكرة الخلاص، وهو خلاص غير نوعي .. غير مُسبَّبٍ .. إنَّ الكاتبَ - وعلى مدار مجموعته - دائم الاتكاءِ على النتائجِ دون إرهاق المتلقي بتفاصيلَ لن يجني منها سوى البعد عن الرؤية وربما الملل، إنه يفتحُ الفضاء الدلالي في المسكوت عنه/ ما قام بعزله من أحداث، لتبقى الأزمة مطروحةً أمامنا بنتائجها دون مقدماتها تفصيلاً، تبقى أمامنا الخطيئة التي ارتكبها "ديدالوس" وأنانيته؛ فلم يهرب من متاهته - التي صنعها بنفسه - منفردا بل أخذ ابنه معه بالرغم من يقينه بعدم نجاته، وكان الخلاص الذي اختاره "إيكاروس" بالسقوط خلاصاً دراماتيكياً لحياةٍ بائسةٍ ..

لقطة من الندوة التي أُلقيت بها الدراسة بمركز الحرية للإبداع بالإسكندرية بتاريخ 19 أكتوبر 2016
أدار الندوة الناقد الكبير أ. عبد الله هاشم

أما الأمر الثاني الذي نجح فيه الكاتب وهو تقنيٌ بالأساس يتمثَّلُ في تقسيم القصةِ لجزأين (مدخل وخروج) وكأنَّ ما بينهما من قصصٍ تدورُ حول فكرةِ (الخطيئة والسقوط) وحول الخلاص بالبتر والإقصاء والانسحاب وأحياناً الاستسلام وعدم المقاومة. وعلى الرغم من تلك النهايات التي جاءت في معظمها سلبيةً على هذا النحو إلا أنها تنجح في إثارة سؤالٍ هامٍ .. ماذا بعد؟

والأمران اللذان نجح فيهما المبدع "مصطفى زكي" الفني منهما والتقني يشيان بمدى ما يتمتعُ به من رسوخٍ وتمكُّنٍ فيما يقدمُ لنا من أدبٍ ورؤية توشكُ على الاكتمال والتبللورِ؛ فكما أنَّ أيَّ فنانٍ يستخدمُ (العزل والاختيار) فيما يقدم لنا إلا أن التوفيق فيهما هو ما يؤكدُ على مقدار ما يتمتع به أيُّ كاتب من موهبةٍ وخبرةٍ وهو ذاته ما يميزُ كاتباً يعتمدُ على الحشدِ الذي لا طائل منه - وإن كان جمالياً- وكاتباً آخر يعتني برؤيته وبوجهةِ نظره وبنفاذِ موقفِه من العالمِ إلى قارئِه، كما أنَّ القصةَ القصيرةَ كفنٍ يميلُ إلى الاكتنازِ في المشهديةِ والحدثِ أليقُ به أن يُقدَّمَ من خلالِ كاتبٍ يعي ما يفعلُ لا ليكونَ نمطياً وإنما ليكون مختلفاً في طرحهِ وأدواتِه.


نوستالجيا

النوستالجيا، هي الحنين إلى الماضي بأحداثِه وشخوصِه، كما أنه تمَّ وصفها على أنها حالةٌ مَرضيَّةٌ؛ إذ أنها تُشيرُ إلى الألمِ المصاحبِ للتَّذكُّرِ، وهي بذلك تُعتبر أحدَ أشكالِ الاكتئابِ، وبالتالي فهي حنينٌ غير سويٍّ للماضي، وقد تكونُ محاولاتٍ لاسترداد وضعٍ يصعبُ استردادُه نتيجة عدم القدرة على التَّكيُّفِ مع الواقع ومتغيراتِه وأحداثِه المتلاحقةِ، إنها شعورٌ بالغربةِ أيضاً تحياهُ الذاتُ وتنفصلُ به عن الواقعِ.

ربما يكون المصريون والعرب عامةً يحيون تلك النوستالجيا بمستوي أكبر من غيرهم؛ فالماضي التليد الضائع وصعوبات الحياة التي يتعثرُ بها الشاب في محاولاتِه الأوَّليةِ لخوضِ غِمار الحياةِ تجعلهم عُرضةً أكثر من غيرهم من شعوب العالم في الوقوع أسرى لها.

ولا يستطيعُ أيُّ باحثٍ تفسير نتائجَ مرحلةٍ ما دون الرجوع إلى مقدِّماتها، والوقوفُ على أسبابِ الأزمةِ هو أولى الخطواتِ لحلِّها، والمجموعة التي بين أيدينا تجسدُ أزماتٍ شخصيةٍ ومجتمعيةٍ وسياسيةٍ حثَّت الذاتَ المبدعةَ للتفتيشِ في ماضيها وذكرياتِها للوقوفِ على أزمتِها من جهةٍ وأزمةِ مجتمعها من جهةٍ أخرى، فكانت الكراسة الأولى (نوستالجيا) بقصصِها الثلاث تجسيداً لبعض آلام وذكريات الماضي وآماله وأمانيه.

يختارُ مكان الحدثِ في قصصِه الثلاثِ، مدرسته الابتدائية، تلك المرحلة الثرية بشخوصِها وذكرياتِها وأحداثِها، إنها "سفر التكوين" لنا جميعاً؛ وهو ذاته عنوان قصته الأولى (ص 15)، يطرحُ بها نموذجاً شاذاً وعنيفاً لمدرسٍ يتحرَّشُ بالطلبةِ (يأكلهم على حد تعبير الكاتب)، مما أدى بهم للتخلص منه بإلقائه من النافذةِ مشنوقاً. القصةُ في مجملها تفسير للعنفِ المتولَّدِ في المجتمع بالبحثِ عن جذورِه ودوافعِه.

الأمر لم يقتصر على الخبرات السيئةِ فحسب بل تعداه في قصة (فراشات ص 19) ليوضحَ تطلعات وأمنيات الأطفال في تلك المرحلة وكلها أتت خياليةً متحررةً من قيود الواقع والمنطقِ كأن تكون سحابةً لتطيرَ بعيداً، أو تجاوز الزمن لتصير رجلاً ذا شاربٍ، أو يرى أحدهم أمَّه ثانيةً والتى ربما غيَّبها الموتُ، كلها أمنيات تحملُ في طياتها أملاً جميلاً يتوافق وطبيعة الأطفال في تلك المرحلة، ومن ثمَّ يتحولون لفراشاتٍ بكثيرٍ من الفرح.

ليتعاظم لدينا الإحساسُ بفداحةِ الممارسات الشاذة للمدرسِ في القصة السابقة عليها ومدى ما قضى عليه من براءةٍ كانت تنتمي إليهم فيما سبق، ليعودَ ثانيةً لما يلاقيه التلاميذُ من عنف المدرسين وقسوتِهم واضطهادِهم في قصته الثالثة (أحمد مبروك ص 25) مما هو محفورٌ بذاكرتِه وكيف أدى به ذلك العنفُ والإحساسُ بالقهرِ إلى العصيانِ وعدمِ الطاعةِ وإلى الكبت الذي لم يستطع قلبُه أن يتحمَّلَه مستقبلاً.

نستطيعُ القولَ أنَّ "نوستالجيا" هي محاولاتٌ في كتابةِ السيرة الذاتية لا بغرض التسجيلِ وإنما بغرضِ التفسير المستقبلي لما سيطرأ على المجتمع القريب من الذات من تحولاتٍ وانهيار، وكما هو معروفٌ أن السيرةَ الذاتيةَ تعتمدُ على عمليةِ التذكر، والتذكرُ نقلٌ غيرَ أمينٍ للأحداثِ؛ هناك ما يسقطُ سهواً، وهناك ما يُخبِّأه العقل الباطن، وهناك ما يمتنع الكاتبُ عن الإفصاحِ عنه لاعتباراتٍ شتى، لكنَّه في النهايةِ يعدُّ وثيقةً نفسيَّةً من الجائزِ جداً الاتكاءِ عليها لتقديم تفسيراتٍ لتصرفَّاتٍ آنيةٍ أو مستقبليَّةٍ. لذا فمن الطبيعي جداً إذا واجهتك سلطةٌ ما (أسرية/ سياسية) بعنفٍ واضطهادٍ أن تمارس الذاتُ المبدعةُ نفس ما تلقَّنته من خبرةٍ مربيَّةٍ تعلمتها من صديقها القديم.


حكاياتٌ قديمةٌ


تحتوي تلك الكراسة على أربع قصصٍ (حانات النفس الكئيبة - صياح أخير للديك - الإغواء الأخير لرجلٍ عادي - طوف)، تتناصُ مع الموروث الديني فيما سيأتي تفصيله في موضعه، تتقمصُ الذاتُ أربع شخصياتٍ ويكون ضمير المتكلم هو السائدُ فيها، كما كان الحال في قصص (نوستالجيا)، لكن الساردَ في (نوستالجيا) هو المؤلف نفسه، أما السارد هنا يكونُ كما ورد بالقصص الأربعِ على الترتيب: (يهوذا الإسخريوطي)، (صاحب يوسف بالسجن الذي صُلب)، (صانع صليب المسيح)، (ابن سيدنا نوحٍ الذي غرق "يافث").

الأربعةُ انتهوا نهاياتٍ مأساوية؛ يهوذا الذي استسلم لخيانته فراح يُعذَّبُ من ملاحقةِ وجه المسيح ونظراتِهِ الموخزةِ وصوتِه الذي يقتله كرموزٍ لجأَ إليها الكاتب لتوضيح العقاب والألم النفسي الواقع عليه، وصاحب السجن الذي صُلبَ وأكلت الطير من رأسه وتكرار الحدث مرات لا نهائية، وصانع الصلبان الذي يصنع الألم مقابل الذهب الوفير والخمر بدم باردٍ حتى انتهى به الحال مصلوباً داخل الصليب نفسه الذي عُلِّقَ عليه المسيح في إشارةٍ لا تخلو من الرمزِ، وأخيراً ابن سيدنا نوح الذي لم يؤمن وراح يقاوم الطوفان بعبثيةٍ ولا ينتهي به الحال ميتاً بل سيظل يهرب طيلة عمره نحو "الظلام المبلل" في عذابٍ أبدي ربما يشبه من بعيدٍ "سيزيف" وصخرته.

المسألةُ لا تتوقفُ عند فعل السردِ أو إظهار عاقبة الخيانةِ، أو الاختبارِ الخاطئ وعدم التصديق، أو إظهار بأن الجزاء من جنس العمل وأن الطمع يبررُ مهنتك الدموية، أو مصير الكفرِ والعصيان، المسألة هنا - حسب قراءتي - تتمحورُ حول أخطاءِ الذات وآثامها وخطاياها، واندفاعها نحو الهاوية وهي تعلم مصيرها مستقبلاً، الذاتُ ليست ضحيةً على طولِ حياتِها بل تأثمُ وتخطئُ. ربما في محاولةٍ لإظهارِ الأثرِ السلبي الذي جنته في طفولتِها من خبراتٍ سلبيةٍ، وربما لممارسةِ الكشفِ والبوحِ والاعترافِ كنوعٍ من التطهيرِ، وبحسابات المقدمات التي تُفضي إلى النتائجِ فإن مجيء تلك الكراسةِ بعد (نوستالجيا) يؤكدُ لدي اهتمامَ الكاتبِ بمطبوعِه على أنَّه مشروعٌ يتكاملُ وترتيبه ليس عشوائياً، فتكوينُ الماضي يؤشِّرُ إلى حدِّ بعيدٍ إلى شكلِ المستقبلِ ويتنبَّأُ به.

هكذا أرى الرؤيةَ الإجماليةَ تتضحُ وتتخذُ شكلاً يبدو إلى الآن تماسكاً غير متناقضٍ، ولا أدعي بالقطعِ أنَّ استخدامَ ضميرِ المتكلمِ يعني تورُّط المؤلفِ بقدر ما هو تورط للساردِ كنموذجٍ إنساني.


حظر

انتهينا من صراع (الذات/ الذات) لنلتقي في نقلةٍ نوعيةٍ إلى صراع (الذات/ السلطة).
تطالعنا الكراسة الثالثة بعنوانِها المقلقِ (حظر)، فمن يحظرُ تكون له سلطةٌ مطلقةٌ وصلاحياتٌ لا نهائية، ومن يُفرض عليه حظراً فلا يملكُ إلا الاستسلام .. أو الثورة.

بالكراسة خمس قصصٍ (حظر - اختفاء رجل وحيد - أشياء لا يمنعها الحظر - خلوة - طيف)، تدورُ جميعها حول ذلك الصراع بين (الذات/ الفرد) وبين السلطة التي تتحدي بابتسامةٍ باردةٍ الفرد - كبنية مجتمعية - وتسخرُ من تعميتهِ وتضليله كما هو الحالُ بقصةِ (حظر) حيث يضاجعُ ضابطُ الشرطةِ زوجةَ السارد.

تلك الممارسات السلطوية المتسلطة هي ذاتها التي تدفع ذلك المعتقلُ الثائرُ في قصة (اختفاء رجل وحيد) إلى الهياجِ والصراخِ والسبابِ والاشتباكِ مع حرس السجنِ في معركةٍ داميةٍ تكون نتيجتها النهائية شديدة الألم، وعلى قسوة التجربة يتكرر الفعل مراتٍ ومراتٍ دون ذِكر مقدماته والاكتفاء بنتائجه، تلك الثورات المتعاقبة من ذلك المعتقَلِ والسكوتُ عن أسبابها إنما يشي بكثرةِ أسباب تلك الثورات ومعلوميتها للجميع مما لا يستدعي الخوض في تفاصيلها والاكتفاء بالحدث ذاته (مركز التبئير) وهو تجلٍ آخر لأهمية (العزل والاختيار) كمبدأين من أهم مبادئ الفن.

وبالرغم من تلك السلطويةِ فإن الحظر لا يمنعُ الرحيلِ إذا تحولَ المجتمع إلى سقفٍ متآكلٍ لا يمنع المطرَ ولا يسترُ محتمٍ كما في قصةِ (أشياء لا يمنعها الحظر)، وبقصة (خلوة) فضحٌ سافرٌ لتدجينِ المجتمعِ من أجل السيطرةِ عليه، المسجونُ الذي تزوره زوجته من أجل الخلوة الشرعيةِ أصبح لا يهتمُّ بلقائها قدر اهتمامه بالأكلِ، إنه يحاول تمضيةَ الوقتِ وتضييعه في عباراتٍ باردةٍ مقتضبةً وهو لما يزل بعد يأكلُ، تنتهي الزيارة وتسير خلف الصول الذي يدخل بها لغرفةٍ يبدو أنها تستخدمُ لمضاجعة زوجات السجناء، تسيرُ خلفه وتعلم ما سيحدثُ، لا تبدي مقاومةً، يضاجعها (الصولُ/ رمزُ السلطة) "فتغمضُ عينيها وهي تشعرُ بعضلات خدها الأيسر تتراقصُ بطريقةٍ آليةٍ" ص 74، كما كان زوجها يهتزُ خده الأيسر بطريقةٍ آليةٍ أثناء الزيارة، في إشارةٍ لحدوثِ نفسِ الفعل معه أيضاً.

السلطةُ إذن تكسرُ الفردَ وتُدجِّنَه من أجل إحكامِ قبضتِها. إلا أنَّ استمرارَ مجابهةِ القمع السلطوي لن تتوقف؛ فهناك طيفٌ بعيدٌ لأنثى جميلةٍ تمدُّ يدَها من بعيدٍ تطلبُ العونَ والاستمرارَ من فتى آخر إذا سقطَ أحدهم وهو يرمي الظلم بحجر، في إشارةٍ رمزيةٍ للوطن كما في قصة (طيف).
ومن أجل كل ما سبق استوجب على الكاتبِ أن يطرحَ حلولاً للخروجِ من كبواتِ الماضي وخطايا الذاتِ وصراعها المحمومِ ضدَّ تجبُّر السلطة.


حلول

يبدو "مصطفى زكي" قاتماً في حلولهِ، سوداوياً، سمحَ للواقع بإحباطاتِه للتَّدخلِ في توجيه دفَّةِ الخياراتِ التي منحها للقارئ - على كثرتِها وتنوُّعِها -؛ فالكراسةُ الرابعةُ بها سبعُ قصصٍ ( بابل - تقمص أخير - غياب - البقاء فوق رصيف مبتل - محاولات الخروج - حفل تنكري - ميكي) باستثناء قصةٍ واحدةٍ تمضي الحلولُ باتجاهٍ سلبيٍّ، هي بالأحرى أسئلةٌ يطرحها علينا، لنشاركه في الاختيارِ والإجابةِ، وربما تُمثِّلُ دفعاً للإيجابيَّةِ حال رفضها جميعاً كإحدى وسائل علمِ النفسِ المضادِ للبحث عن حلٍّ يحفظُ الكرامةَ للخروجِ من كبوةِ الصدامِ مع الذكرياتِ من ناحيةٍ، والصدامِ مع الذاتِ من ناحيةٍ ثانيةٍ، والصدامِ مع السلطةِ من ناحيةٍ ثالثةٍ.

الأديب مصطفى زكي وهو يتسلم جائزة المركز الثاني بمسابقة ساويرس الأدبية عن مجموعته تأكل الطير من رأسه

فهل يكمنُ الحلُّ في الرحيلِ عن الوطنِ بلا عودةٍ، كما في قصة (بابل)؟ أم ترانا نتقمصُ دورَ العاجزِ الجنسيِّ لتبرير إخفاقِنا في حلِّ أزماتنا ومشكلاتنا كما في قصة (تقمص أخير)؟ أم الحل يكمنُ في النسيانِ وإنكار الآخر وانتشار حالة التغييب القسري كما في قصة (غياب)؟ أم تراه في الابتعادِ عن الضغوطِ السلطويَّةِ والحياتيةِ كالرجلِ الذي ترك بيته وزوجته/ كمصدر للسلطة، وافترش الرصيف كما في قصة (البقاء فوق رصيف مبتل)؟ أم المواجهة وتحمل العواقب - وهو حل إيجابي في ظاهره لكنه لم يغير - كما في قصة (محاولات الخروج)؟ أم أنَّ معاقبةَ الآخر المتطلعُ بأنانيةٍ مفرطةٍ بنفسِ المصيرِ الذي أوشكَ أن يوقعكَ فيه هو الحل كما في قصة (حفل تنكري)؟ أم ترى الحل يكمنُ في التعرِّي وبلع الإهانات كما في قصة (ميكي)؟

جميعُها سوداوية قاتمة تعلنُ في تحدٍ سافرٍ للمتلقي إحدى مصائرِه التي يتوجبُ عليه إما قبولَها بتبعاتِها وإما البحث عن حلولٍ بديلة لا تكونُ مآلاتُها بذاتِ الكيفيَّةِ. إنه عصفٌ ذهنيٌ للمتلقي ودعوةٌ للمشاركةِ في تشكيلِ مصيرِك ومصيرِ المجتمع.

وبعدُ ..
فالحديثُ عن الرؤية التي يطرحها "مصطفى زكي" في مجموعته "تأكل الطير من رأسه" تحتملُ المزيد والمزيد، أراها وقد أوشكت على الاكتمالِ، بدءاً من صراع الذات مع ذكرياتها، وصراعها مع ذاتها، وصراعها مع السلطة، وطرح حلولٍ عليك أيها المتلقي قبولها أو رفضها حسب استعداداتك الفكرية والذهنية وأحوالك المجتمعية، إنه ينقلُ قسوة الماضي وتطلعاته، ويكشف الذاتَ وخطاياها، ويفضح السلطةَ، ويشيرُ لك على حلولٍ مستمدةٍ من الواقع لرفضها ونفيها وتجاوزها.


التحوُّلُ من الواقعيَّةِ للرمز

تسري بعددٍ لا بأس به من قصص المجموعةِ (تسع قصص - نصف المجموعة تقريباً) حالةٌ من الاتجاه نحو الرِّمزِ واللا معقولِ بعد عدةِ أحداثٍ يصلحُ أن تنتمي للواقعِ فعلاً، صياغةٌ غير مألوفةٍ للأحداثِ تعكسُ الحالة السياسية والاجتماعية العبثية التي نحياها، وذلك لمزيدٍ من بلورةِ الرؤيا وتوضيحها بشكلٍ لا يخلو من متعةٍ فنَّيَّةٍ وجماليةٍ، ذلك التحوُّل من الواقعيةِ باتجاه الدلالات الرمزيَّةِ يخلقُ تصادماً بين معقوليَّةِ الحدثِ ولا معقوليَّتِه ومن هنا تنشأُ الجدليَّة.

من الجائزِ أن تكونَ للأحداثِ السياسيَّةِ قبيل وعقب ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011 أثرها في تلك العبثيَّةِ من "إحساسٍ بالخيبةِ والارتدادِ إلى الداخلِ والانطواء على الذاتِ" [راجع: مفهوم الواقعية في القصة القصيرة عند يوسف إدريس، د. السعيد الورقي ص 118] وهو ما يؤثِّرً على "أسلوبِ صياغة الأدب في التجائه إلى الرمزيةِ والغموض، إحساساً منه بغموض الموقف من ناحيةٍ، ومحاولة البحث عن قناعاتٍ داخليةٍ من ناحيةٍ أخرى" [السابق ص 118] مثلما فعل شباب الكتاب عقب هزيمة 1967.

القصصُ التي تحوَّل فيها من الواقعية للرمزيةِ هي: (سفر التكوين - فراشات - أحمد مبروك - الإغواء الأخير لرجلٍ عادي - اختفاء رجلٍ وحيد - طيف - بابل - تقمص أخير - ميكي) ولعلنا نكتفي بنموذجٍ واحدٍ للوقوفِ على الظاهرة.

في قصةِ (أحمد مبروك) يجسدُ "مصطفى زكي" معاناة صديقِه وما يواجهه من عنتِ مدرس الرياضيات واضطهاده له، حدثٌ عادي ربما مرَّ به معظمنا، حدثَ ويحدثُ ومن المتوقع حدوثه غداً، الولدُ نفسيته لم تتحمل، صمت بعد أن تحداه ولم يبكِ ولم ينشج كعادتِه، وقبل انتهاء اليوم الدراسي حدث أمرٌ عجيب:

"ظلَّ هكذا، لم يتحرك سوى في الحصة الأخيرة عندما سمعنا حشرجتَه ونشيجَه يعلوان، نظرنا إليه بفزع، كان يتلوَّى مكانه وهو يلهثُ، ودون سابقِ إنذارٍ قامَ بفردِ جناحينِ عملاقينِ خلفه رفرفَ بهما قليلاً قبل أن يطيرَ من الشباكِ المفتوحِ جانبه" (قصة: أحمد مبروك، ص 27)

إنَّه اختارَ طريقة (إيكاروس) في الخلاص، حدث لا معقول يتناسبُ وعبثية موقف مدرس الرياضيات وعنته غير المبررِ، كما قدَّم بذلك إشارة لموتِه وغيابِه المبكر.

يعودُ للأحداث الواقعيةِ من جديدٍ لنكتشف إصابته بجلطتين عطلت ثانيتهما نصفه الأيسر تماماً، يطلب من خطيبته أن تحلمَ به وهو سليمٍ "دون عاهاتٍ أو عطب" ص 29، ويختتم بحدثٍ لا معقولٍ آخر:

"ما علمناه بعد ذلك أن أمَّه دخلت لتوقظَه لم يكن بالفراشِ، بحثت عنه في البيت بجنونٍ؛ لكنه لم يكن موجوداً، وعندما عادت لغرفتِه، كان الشباك مفتوحاً، كانت مضاءةً بضوءٍ خافت لا مصدر له، وتفوحُ في الجوِّ رائحةُ حلمٍ" (القصة: ص 29)

إنه نوع من الاحتجاجِ على الواقع العبثي الذي يجثمُ على صدورنا.


رمزيَّةُ السقوط الجنسي

بسبعِ قصصٍ تجلَّت ظاهرة (السقوط الجنسي) كرمزٍ يعملُ على إيضاحِ الرؤيا وتعميقِ الحالة، وقد تعددت دوافعُ هذا السقوط ليقوم "مصطفى زكي" بتعريةِ الواقعِ الاجتماعي والسياسي لبيان قبحِه وقسوتِه بآن.

ففي قصص (سفر التكوين - حفل تنكري - ميكي) كان السقوطُ الجنسيُّ ذا دوافعَ اجتماعيةٍ؛ (سفر التكوين) كشفٌ وتعريةٌ للتحرشِ بتلاميذ المرحلة الابتدائية من قِبَل مدرسٍ شاذٍ (يأكلهم) يقابله صمتٌ مجتمعي وغيابٌ للراقبةِ، أما في قصة (حفل تنكري) فالتتطلع الذي لا تحكمه ضوابط أخلاقيةٍ والمحفوفُ بالأنانيةِ أوقعَ صاحبه فريسةً لمديره الشاذ ساعدته في ذلك زوجته التي كان سيضحي بشرفها من أجل ذلك، وكان التعري من أجل العمل واستئناف الدراسة الجامعية سقوطاً آخر للمجتمع لبطل قصة (ميكي).

وفي قصتي ( حظر - خلوة) جاء السقوطُ الجنسيُ انعكاساً للصراعِ مع السلطةِ، مرةً بتعميةِ الزوج وخداعه ومضاجعة زوجته برغبتها - سقوط جنسي حر - كما في قصة (حظر)، وأخرى مضاجعة من أجل التدجين وكسر الذات من (الصول/ رمز السلطة) نحو السجينُ تارةً وزوجته منزوعة الإرادة - سقوط جنسي قسري - تارةً أخرى كما في قصة (خلوة).

بينما جاء الإحباطُ السياسيُّ والاجتماعيُّ سبباً في السقوط الجنسي أو الإخفاق الجنسي في قصتي (تقمص أخير - البقاء فوق رصيف مبتل)، وبهذا الشكل استطاع الكاتبُ أن يقدِّم تبريراتٍ فنيَّةٍ تجعلُ من ذلك السقوطُ رمزاً أكثر من كونِه مجرد حدثٍ حقيقي.


استراتيجيةُ التناص

منذُ عنوان المجموعة والتناصُ ظاهرة تفرضُ ذاتَها على معظمِ قصصِ المجموعة وبخاصةٍ الكراسة الثانية (حكاياتٌ قديمةٌ)، يشتبكُ مع الموروث الديني والعقدي، فكما ذكرتُ في الحديث الخاص بتلك الكراسةِ أنَّ الساردَ تقمص عدة شخصياتٍ، قدَّم خلالها تناصاً تطابقياً في قصتي (حانات النفس الكئيبة - صياح أخير للديك) حيث كان في الأولى (يهوذا) الذي باع السيدَ المسيحَ بثمنِ عبدٍ - ثلاثين قطعة فضة - وعذابه واضطرابه في يوم العشاء الأخير، بينما في الثانيةِ صاحب السجنِ الذي صُلبَ.
وقدَّم التناصُ الانفصاليِ في قصتي (طوف - حفل تنكري) حيثُ أعلن موت النص الأصلي - فنيّاً - في النص الثاني؛ إذ لم يعلن موت ابن نوحٍ الذي لم يؤمن وتركه في عذابِه الأبدي جرياً على المعمول به في الميثولوجيا اليونانية (أسطورة سيزيف)، كما أنَّه تناصَّ مع الفيلم العربي (دمي ودموعي وابتساماتي) في قصته (حفل تنكري) تناصاً انفصالياً؛ حيثُ الزوجة التي كانت الثمن الذي دفعه لصاحب العمل من أجل حصوله على وظيفةٍ مرموقةٍ بالفيلم نراه قد تبدَّلَ وتحوَّل ليكون سقوطه الجنسي هو الثمن كما مرَّ بنا، وهو الثمن العادل لأمثالِه.


استخدام الضمائر

على الرغمِ من أنَّ "ضمير الغائب (هو) هو الأكثرُ استعمالاً في السرد الشفوي والمكتوب جميعاً" [في نظرية الرواية - بحث في تقنيات السرد، د. عبد المالك مرتاض ص 175]

إلَّا أنَّ الغلبة كانت لضمير المتكلم (اثنتا عشرة قصة)، بينما احتلَّ ضمير الغائب (ثماني قصص) باعتبار أن (إيكاروس 1&2) قصة واحدة، وذلك في غيابٍ تام لضميرِ المخاطب.

"لضمير المتكلمِ القدرة المدهشة على إذابة الفروق الزمنية والسردية بين الساردِ والشخصية والزمن جميعاً؛ إذ يستحيلُ الساردُ نفسُه في هذه الحالِ إلى شخصيةٍ كثيراً ما تكون مركزيَّةٍ" [السابق: ص 184]

وبذلك أحسسنا في أغلب قصصِ المجموعة بروحِ المؤلفِ، كما ذاب الحاجز الزمني الذي يفصل بين زمن السرد (وقت الحدث) وزمن السارد (وقت الحكي)، كما أنَّ لذلك أثره على تعلق المتلقي والتصاقه بالعمل السردي أكثر لأنه - ضمير المتكلم - يُحيلُ إلى الذات بالضَّرورةِ، وذلك أيضاً لاعتباره ضميراً للسردِ المناجاتي يستطيعُ التوغُّلُ إلى أعماق النفس البشريةِ ويُعرِّيها بصدقٍ ويكشفُ عن نواياها وأفكارها؛ وبالتالي كان الكاتبُ مدركاً لأهمية ذلك الضمير في إبراز الرؤيا.


السرد اللا زمني

تعتبرُ قصةُ (صياحٌ أخيرٌ للديك) من أبرزِ قصصِ المجموعة على عدة مستويات من حيث استخدام استراتيجية التناص إلى الإيقاع الحاد والمتسارعِ إلى الدقةِ في اختيارِ المفردات وتوظيفها، لكنَّ من المدهش والعجيب بها - على سرعة إيقاعها وتعاقب أحداثها - أن زمن السرد غائبٌ تماماً، إنها سردٌ لا زمني.

فتكرارُ الحدثِ - الصلب - يتمُّ كلَّ مرةٍ على نفسِ النحوِ، وبالتالي يتوقف الزمن ولا ينمو لأنَّ كل محاولات الفكاكِ من الحدث تفشل، إنَّه أشبه بحلمٍ للحظةٍ زمنيةٍ توقفت وتعادُ مراتٍ لا نهائيةٍ.
كما أنَّ بقصةِ (طوف) ذاتَ الظاهرةِ حيثُ توقفَ الزمنُ لحظة الطوفان ويستمر التوقف باستمرار تكرار محاولات النجاة السرمدية.


الإيقاع

استطاعَ "مصطفى زكي" أن يتحكم بإيقاعِ قصصه والارتفاعُ به وتسريعه عن طريقِ استخدامه للجملِ القصيرةِ المتعاقبةِ، وكانت الفعلية منها بطبيعة الحال أكثر إيقاعاً وديناميكيَّةً.

مثال على إيقاع الاضطراب المرتبط بالحالة النفسية في قصة (حانات النفس الكئيبة) ص 36
ومثال آخر على إيقاع الترقب في قصة (فراشات) ص 20
ومثال على الجمل المتلاحقة التي تعكس الحالة النفسية الفزعة بقصة ميكي ص 122


في النهاية ..

يتأكدُ لدينا أن "مصطفى زكي" كاتبٌ صاحبُ مشروعٍ إبداعي، يخططُ له بعنايةٍ واهتمام، لديه رؤية ووجهة نظرٍ يطوِّعُ أدواتِ فنِّه لخدمتِها.

السبت، 6 أغسطس 2016

الإسكندريةُ الشاعرةُ وتعاقبُ الأجيالِ

الإسكندرية الشاعرة وتعاقب الأجيال*

      بقلم
   أحمد حنفي

أحمد حنفي

          "هنا سأبني مدينتي التي طالما حلمت بها" هكذا تحدث الإسكندر الأكبر عندما وقعت عينه على قرية "راقودة"، تلك القرية الصغيرة التي تسكن بأحضان البحر، وما لبث أن فرغ من كلامه حتى أمر مهندسه "دينوقراطيس" بالشروع في تشييدها، هكذا بدأت الإسكندرية, قصة حبٍ من النظرة الأولى أوقعت الملك الشاب في غرامها ومن خلفه كل من ولد أو سكن أو مرَّ بها منذ ذلك الحين.
وتوافرت في الإسكندرية ـــ منذ عهدٍ مبكرٍـــ عبقرية المكان, فكانت القنطرة التي عبرت منها إلينا الثقافة اليونانية بكل إرثها الفلسفي والفني والعلمي وامتزج ذلك الإرث بالحكمة المصرية القديمة فتفاعلا في رقيٍّ شديدٍ وأنتجا حضارةً جديدةً تفرَّدت بها الإسكندرية عن سائر المدن المصرية واليونانية ما لبثت طويلاً لتختمر في عقول مفكريها وفلاسفتها وعلمائها وفنانيها حتى فاضت بنورها وبصيرتها فصارت البوابة التي صدَّرت العلوم والفنون ليس لبلاد اليونان فحسب ولكن للعالم بأسره.
إنَّ الإسكندرية بثقافتها الهيلينستية لتعدُّ أنموذجاً فارقاً وفريداً بين حضارات العالم؛ فلم ينشأ بها صراعاً يذكر بين حضارة الوافد الفاتح وبين حضارة المقيم, لم يفرض اليونانيون ثقافتهم عنوةً ولم يرفض السكندريون الآخر, بل امتصَّا بعضهما ليعيدا تكوين الضمير الإنساني داخل أروقة مكتبة الإسكندرية, وكان للأدب ـــ والشعر خاصةً ـــ نصيبه الوافر من ذلك التكوين.
فعلى الرغم من معرفة اليونانيين بفن "الإبيجراما" كأحد فنون الشعر لديهم, إلا أنَّ ذلك الفن ارتبط باسم شاعر الإسكندرية العظيم "كاليماخوس" والذي أخلص لهذا الفن الشعري المكثف ساخراً من شعراء الملاحم اليونانيين من أمثال "هوميروس".
ويؤكد "ثيوكريتس" على استقلالية الإسكندرية الثقافية ورؤيتها الجديدة التي تبثها في ضمير الإنسانية وذلك حين ثار على قواعد الوزن الشعري والتي كانت تقتضي وزناً معيناً لكلِّ غرضٍ شعريٍّ, وآثر أن يستخدم الوزن السداسي في معظم قصائده الرعوية, وقد عرفت الساحة الشعرية السكندرية في عصرها الهيليني القصائد المطوَّلة ـــ الملاحم ـــ ولعلَّ أشهرها ملحمة "أبوللونيوس" الشهيرة "الأرجونوتيكا" أو "بحارة الأرجو", "والتي يعتقد بعض النقاد أنها الأصل الذي خرج منه نصف الأدب الحديث, فليس القدر هو الذي يحرك الأحداث فيها كما كان الحال في ملاحم هوميروس, وإنما روح المغامرة, أي الإنسان"[1]
وهذا يدلُّ على مدى النضج الذي صدر منه "ثيوكريتس"؛ ذلك أنه رفض أن يكون الإنسان لعبةً بيد القدر يحركها كيفما يشاء لكنه رأى أنَّ الإنسان هو من يصنع مصيره أو على الأقل يتحمل مسئولية اختياراته.
هكذا كان شعراء الإسكندرية منذُ ألفيِّ عام, لم يكونوا مقلِّدين وإنما أعادوا إنتاج وتجديد الشعر اليوناني ومن ثَمَّ إعادة تصديره للتراث الإنساني من جديد, "فمن المعروف أنَّ الشعر السكندري القديم المكتوب باليونانية هو النموذج الذي حاكاه شعراء الرومان من أمثال هوراس وأوفيد"[2]
وإذا ما تجاوزنا تلك الحقبة بكلِّ زخمها وازدهارها وريادتها وقدمنا إلى الإسكندرية الإسلامية نلتمس شعراءها بين شوارعها الجميلة والتي مازالت محتفظة بتخطيط "دينوقراطيس" لها مع تناغم عجيب ببناياتها المتعددة ذات الطابع الإسلامي من دور وقصور وحمامات وبساتين وأحياءٍ جديدةٍ نشأت لتستوعب الوافدين من العرب الفاتحين من قبائل لخم وجذام والتي استوطنت - ومازالت - غرب الإسكندرية، ذلك التناغم لم تفسده العمارة الرومانية التي توسَّطت الحقبتين اليونانية والإسلامية، حتى أضحت شوارعها متحفاً مفتوحاً تقف منارتها - إحدى عجائب الدنيا - حارساً على كلِّ ذلك وشاهداً على مجدٍ يضرب بجذوره في الماضي.
ليكون موعدنا مع القرن السادس الهجري؛ فلم يكن مقدَّراً للإسكندرية أن ينبغ بها شاعرٌ عربيٌّ من أبنائها ويذيع صيته ليملأ كلَّ أرجاء مصر قبل ذلك القرن, والذي بذلت الدولة الفاطمية فيه كلَّ غالٍ وثمينٍ من أجل بناء دولةٍ تنافس العباسيين في الترف والأبهة، يقول "جوستاف لوبون" في كتابه حضارة العرب: "يتصف عصر الفاطميين, الذي بلغت حضارة العرب فيه بمصر ذروة الرقي، بنضج الفنون وما تؤدي إليه الفنون من الصناعات، وبارت القاهرة بغداد في الفنون ... وزاد دخل خلفاء مصر على دخل خلفاء بغداد ... وكان خلفاء مصر يقفون معظم ذلك الدخل على أمور الترف وبناء القصور"[3]
وكان للإسكندرية نصيبها من ذلك الترف مما عمَّق تراثها المعماري من تشييدٍ للمساجد والمدارس والتي عملت بدورها على تعميق ثقافة أبنائها؛ إذ "كانت المساجد مراكز فكرية, فالجامع الجيوشي كان مركزاً هاماً من مراكز الفكر بالثغر, تصدَّر به أكبر العلماء لتدريس الفقه والقراءات والنحو وغير ذلك"[4]
وساعدت هذه البيئة العلمية النشطة في الإسكندرية على إقامة حركةٍ شعريةٍ بالثغر حيث "كانت بها آنذاك نهضة شعرية واسعة"[5]
وقد أشار د. شوقي ضيف إلى أنَّ الثقافة العربية الإسلامية هي ثقافة شعبية عامة تُلقى في المساجد، وكان للشعراء فيها حلقات أتاحت لشباب العامة المشاركة في الشعر وغير ذلك من العلوم.[6]
فساعدت هذه النهضة الثقافية على انتشار التعليم وظهور طبقة من العلماء والأدباء والمشتغلين بالفلسفة أعطت الإسكندرية قوتها الثقافية التي ساعدت على تشكيل وعي[7] أبنائها فلم يكن عجيباً إذن أن نرى شاعراً حداداً مثل "ظافر الحداد السكندري" (ت:529ه) أمير شعراء الإسكندرية في العصور الإسلامية وحتى عصر النهضة بلا منازعٍ.
وكان شعراء الإسكندرية في العصر الإسلامي والذين نبغوا في الشعر كثيرين، منهم "ابن قلاقس" الشاعر الرحالة الذي عشق البحر وطوَّف في أرجائه شمالاً وجنوباً ما بين صقلية واليمن واتصل بالخليفة العاضد آخر الخلفاء الفاطميين وعندما بارت سوق الشعر بمصر ارتحل خارجها وقضى نحبه وهو مازال في الخامسة والثلاثين تاركاً ديواناً بثَّ في أرجائه حديثه عن الإسكندرية والبحر ومنارتها.
كما مكث بها من غير أبنائها الكثيرون فمنهم "أبو الصلت أمية بن عبد العزيز الأندلسي" ـــ صاحب الرسالة المصرية ـــ، والإمام البوصيري ـــ صاحب البردة عين عيون المديح النبوي ـــ وبها توفي ودُفن، و"تقيَّة الصورية"، وغيرهم العديد والعديد، منهم مَن هم مِن أبنائها ومنهم مَن وفد عليها واستقرَّ بها حيناً وخلَّف لنا شعراً ينتمي إليها؛ فشعر الإسكندرية "يتجاوز شعراءها الذين ينتمون لها إلى غيرهم من الشعراء الذين تغنوا بالإسكندرية دون أن يكونوا سكندريين، وحتى دون أن يكونوا مصريين"[8]
وهذا الحد للشعر السكندري ـــ تراث الإسكندرية الشعري ـــ والذي وضعه الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي مقبولٌ إلى درجةٍ بعيدة؛ فالإسكندرية كانت دوماً محط أنظار الشعراء يأتوها للاستجمام أو الاستشفاء أو طلباً للعزلة عن واقعهم للتواصل مع أعمق نقطةٍ بوجدانهم بحثاً عن حالةٍ إبداعية ذات طابعٍ مستقل.
ويردف حجازي بقوله:
"الإسكندرية لم تكن لكلِّ شعرائها وطناً أو مسقط رأس لكنها كانت بالنسبة لهم حلماً أو فكرة"[9]
وما كاد يطلُّ علينا العصر الحديث حتى ازدادت أعداد شعراء الإسكندرية وازدانت بهم وأخذ التراث الشعري السكندري في النمو سواء كان شعراً عربياً أم زجلاً أم شعراً مكتوباً بلغاتٍ أخرى كاليونانية والإيطالية.
والإسكندريةُ غنيةٌ بأدبائها أثَّرت فيهم ــ ولـمَّا تزل ــ ونراها مبثوثةً في كتاباتهم شعراً ونثراً تحتضن أحرفهم وتحنو عليهم، فتلك الحقبة التي عاش فيها "بيرم التونسي" (ت:1961 ) و"خليل شيبوب" (ت:1951) و"عتمان حلمي" (1894 – 1962) و"عبد الحميد السنوسي" شهدت الجم الغفير من الشعراء المتميزين أمثال "نقولا فياض" (ت:1959) – "وردة اليازجي" (ت:1924) – "عبد الرحمن شكري" (ت:1958) – "زكريا جزارين" (ت:1955) – "حسن فهمي" (ت:1930) – "محمد غالب" (ت:1950) – "فخري أبو السعود" (ت:1940) – "عبد اللطيف النشار" – "محمد مفيد الشوباشي" – "أحمد راسم" (ت:1958) – "منيرة توفيق" (ت:1965).
كذلك العديد من الشعراء غير العرب الذين تنتمي أشعارهم لتراث الإسكندرية الشعري، نذكر "قنسطنطين كفافيس" الشاعر اليوناني العالمي ـــ "أونجاريتي" الأب الشرعي للشعر الإيطالي الحديث ـــ "مارينيتي" رائد المدرسة المستقبلية في الشعر والنثر ـــ "راؤول ولكنسون" ـــ "هنري تويل" ـــ "ألك سكوفي" ـــ "رنيه تاسو" .. وغيرهم العديد.
وتستمر الإسكندرية في إنجاب أجيال جديدة من المبدعين شعراً وسرداً ونقداً، وها هو مؤتمرنا الذي يسلطُ الضوءَ على جيل جديدٍ ومتميِّزٍ من شباب الأدباء والنقاد لعلَّه يؤشرُ بصدقٍ إلى المستقبل الواعد للحركة الأدبية بالإسكندرية وقدرتها على التواصل والمواصلة كعلامةٍ مائزةٍ على جبين الضمير الإبداعي العالمي.



* الكلمة التي ألقيتها في مؤتمر اليوم الواحد لفرع ثقافة الإسكندرية بعنوان (إبداعات الشباب السكندري - دورة الراحل خالد السروجي) يوم 2 يونيو 2016 والذي شرفت بأمانته العامة .. وكان المؤتمر تحت رئاسة الشاعر والناقد الكبير/ أ. أحمد فضل شبلول

[1] شعر الإسكندرية و شعراؤها ، أحمد عبد المعطي حجازي ، مقال نشر بجريدة الأهرام – العدد 43248 بتاريخ (الأربعاء 25 من ربيع الأول 1426 ه – 4 مايو 2005) السنة 129
[2] السابق
[3] حضارة العرب ، غوستاف لوبون ، ترجمة: عادل زعيتر ص219 ، الهيئة المصرية العامة للكتاب 2000
[4] الحركة الفكرية و الأدبية في الإسكندرية في القرن السادس الهجري ، د. فوزي محمد أمين ص 45 ، دار المعرفة الجامعية – الإسكندرية 2004
[5] عصر الدول و الإمارات ( مصر ) ، د. شوقي ضيف ص251 ، دار المعارف ، ط الثانية
[6] السابق ، راجع ص 251
[7] ظافر الحداد ـــ أمير شعراء الإسكندرية في العصور الإسلامية، أحمد محمد حنفي، بحث مخطوط في انتظار الطبع
[8] شعر الإسكندرية و شعراؤها ، أحمد عبد المعطي حجازي [مصدر سابق]
[9] السابق

الخميس، 4 فبراير 2016

مقدمة كتاب: تحولات الذَّات

مقدمة كتاب:
تحولات الذَّات
أنماط الذَّات في قصيدة العاميَّة السكندريَّة المعاصرة
تأليف: أحمد حنفي


أحمد حنفي
تعتبرُ الذَّاتُ بعلاقاتها الثلاث (الذَّات والآخر/ الذَّات والموضوع/ الذَّات والعالم) من الموضوعاتِ التي شغلتني – ولمَّا تَزَل- لِما لها من علاقةٍ وثيقةٍ ومباشرةٍ بالرؤيا التي يطرحها الشاعر.
ويبدو أنَّ النَّقدَ بمفهومِه القديمِ قد فقدَ دورَه الذي سُمِّيَ من أجلِه نقداً؛ فلا نجدُ الآنَ قراءةً نقديَّةً تخلصُ في نهايتِها بحكمٍ قاطعٍ بجودةِ نصٍّ من عدمه، وعلى الرَّغمِ من أهميِّةِ ذلك الحكم فقد باتَ – على الأقلِّ – ليس قاطعاً باتّاً.
بالطبعِ لا أهدفُ إلى الإشارةِ بأنَّ جميعَ النصوصِ متساوية في جودتها؛ فالتباينُ والتمايزُ من مُسلَّمات الكونِ، لكنَّ السؤالَ الذي يطرحُ نفسَه .. ما معيار تلك الجودة؟
والإجابة على هذا السؤالِ لابدَّ وأن تكونَ ضمن نطاقِ فرضيَّةٍ أساسيَّةٍ مفادها أن تنتمي تلك النصوصَ إلى شعراءٍ حقيقيين بالفعلِ، يمتلكون رؤيا شموليَّةً واضحةَ المعالمِ والأركانِ جنباً إلى جنبٍ كلزوميَّةٍ اشتراطيَّةٍ بجوارِ فنِّيَّاتِهم .. لتصيرَ الرؤيا أحد أهم وأخصِّ مقوِّماتِ الإبداعِ الشِّعريِّ.
ولا شكَّ الآنَ أنَّهُ قد مضى عهدُ النَّاقدِ الذي يؤخِّرُ قصيدةً على حسابِ أخرى انتصاراً للوزنِ والقافيةِ، وهما على أهمِّيَّتهما لا يُضيفان للنَّصِّ جمالاً يُخفي فراغَهُ من المضمونِ ورؤيا كاتبه .. كما مضى عهدُ النَّاقدِ الذي يحتفي بظواهرَ لغويَّةٍ وأخرى بديعيَّةٍ من شأنِها الخروج عن المعنى لا الولوج فيه .. بل لن أكونَ مبالغاً إن قلت بانتهاءِ عهدِ النَّاقدِ الذي يُقدِّمُ نصّاً شعريّاً مكتوباً باللغةِ العربيَّةِ على حسابِ آخرٍ لَهَجِيٍّ (عامِّيٍّ) لمجرَّدِ انتصارٍ زائفٍ للُّغةِ دونَ النَّظرِ لموقف الشَّاعرِ من العالمِ.
لنجدَ أنفسنا مدفوعين باتجاهِ السؤالِ الأقدمِ؛ ما دور الشعرِ؟
ليستحيلَ الآنَ من مجرَّدِ كونِه سؤالاً إلى إجابةٍ عن سؤالِنا الأوَّلِ حولَ معيارِ جودةِ النَّصِّ الشِّعريِّ ..
قطعاً ليس الإمتاعُ مقصداً من مقاصد الشعرِ فهناك شاعرٌ مثل (هشام دياب) – أحد من قامت عليهم أبحاث الكتاب – لا يبحث عن إمتاعِ قارئه بل يتجه صوب ذهنه مباشرةً لإقامةِ جدليَّةٍ يكونُ محورها رؤياه لا لفرضها على المتلقي ولكن لمناقشتها وإعادةِ إنتاجها وطرحها في ضوءِ مقاربةِ المتلقي ذاته.
وكما أنَّ الإمتاعَ ليس من مقاصد الشعرِ إلَّا أنَّهُ إحدى سماتِه كفنٍ جميلٍ وهو ما لا يضطلع به الشعرُ وحده، يشترك في ذلك كل أنواعِ الفنونِ الجميلةِ كالرسمِ والنَّحتِ والموسيقى مثلاً .. وبالتَّالي تتعاظمُ أهمِّيَّةُ الشعرِ كمُرسلةٍ لغويَّةٍ في كونِه يطرحُ ذاتاً تحملُ موقفها تجاه العالمِ.
وأينما تموقعت الذات في موقفها من العالم تبعتها الرؤيا؛ فالذَّاتُ الشخصيةُ التي تتمركزُ داخلَ دائرةٍ يُشكِّلُ العالمُ محيطاً لها – أي: تحلُّ في العالمِ – هي تلك الذَّات التي نرى العالم من خلالها .. والذَّاتُ الشخصانيَّةُ التي تحلُّ بديلاً عن العالمِ حين يخلعُ الشاعرُ عن ذاتِه إنسانيَّتها ليدخلَها ثوبَ الألوهةِ الفضفاض [1] وتكونُ الرؤيا تبعاً لذلك مبتدعةً لعالمها الخاص .. أمَّا الذَّاتُ اللا شخصيَّة تلك التي تتحرَّكُ على محيطِ الدَّائرةِ بينما يقبعُ العالمُ في مركزها – أي: يحلُّ العالمُ فيها – فهي الذَّات التي نراها من خلالِ العالمِ. [2]
وحينَ تحدَّثَ النقادُ قديماً عن شرفِ المعنى كأحد معايير جودة الشعرِ إنَّما عَنوا بذلك شيئاً آخر خلاف الإمتاعِ .. إنَّهم انتبهوا لدورِ الشعر كمرسلةٍ .. ولدورِ الشاعرِ كذاتٍ مُرسِلَةٍ تملكُ رؤياها وموقفَها من العالمِ كما ذكرت.
ولهذا كان تتبُّعي للذَّاتِ وأنماطها كبوَّابةٍ للرؤيا كما تجلَّت في ستةِ نصوصٍ لستةِ شعراءٍ ينتمي خمسةٌ منهم لجيلِ الشعراءِ الشبابِ ممَّن يقدِّمونَ شعريَّةً حقيقيَّةً وسكتت عنهم أقلامُ النقادِ .. وهي أهميَّةٌ أخرى أزعمها للكتابِ في الوقتِ الذي يملأ الأدعياء سماءنا صياحاً ونشازاً.
ضرورة أخرى يكرِّسها الكتابُ وهي التأكيد على انتماءِ قصيدة العاميَّة للأدبِ العربيِّ، فالمُطالعُ المدقِّقُ لتاريخِ الأدبِ العربيِّ على امتدادِ قرونِه يلحظُ مدى ما يتَّسمُ به من قابليَّةٍ لاستيعاب فنون الشعرِ غير المعربة، ووضعها في المكانِ اللائقِ الذي يناسبها قدراً ونقداً، هذه القرون تركت أثرها على الشعر العربي، ومن منا لا يعلم ذلك؟! .. بل تركت أثرها على ثوابت أخرى لم يظن القدماء أنها ستتغير وتتبدل، من لغةٍ وبلاغةٍ وطرائق تعبيرٍ وبنيةٍ إلى شكلٍ وأوزانٍ وتشكيلٍ بصريٍّ ومجانيةٍ وموضوعاتٍ لم تُطرق وذائقةٍ مغايرةٍ.
وعلى الرغم من ذلك البون الزمني الشاسع إلا أننا وجدنا ما يربط الحاضر بالماضي وربما حدَّثنا عن المستقبل، وجدنا وشائج وصلات لا تنعت الجديد إلا بالابن الشرعي للقديم وأنه ليس محدثاً ولا مخترعاً.
هذه الوشائج والصلات هي ذاتها ما ظنها بعض القدماء ثوابت لن تتغير، وتعاملوا معها باعتبارها جماداتٍ لا تنمو لكن حقيقتها وواقعها أنها كائنات حية تنمو وتؤثر وتتأثر وتعتلُّ وتصحُّ وتتخذ أشكالاً شتى ليس من عصرٍ إلى عصرٍ ولا من إقليمٍ إلى إقليمٍ فحسب وإنما من قصيدةٍ إلى قصيدة.
إن ما يربط معاصرينا بأسلافهم هي اللغة ذاتها بيد أنها تطورت، والبلاغة نفسها والتي ربما اتخذت أشكالاً أكثر ملائمةً للعصر ولغته، والذائقة عينها والتي تطورت تبعاً لما أحدثه العصر في اللغة والبلاغة، وأوزاناً حالفها النصيب الأوفر من التجديد والابتكار، وهدفاً أسمى للقصيدة والتي تبحث عن متلقى لا يشعر أنها غريبة عنه وعن لغته اليومية وحياته المعقدة وذائقته الجديدة.
فلا غرو إذن أن نعد (قصيدة العامية) من شعرنا العربي ومن تراثنا الإبداعي، ولم لا وهي التي أفسحت لنفسها ذلك المجال وزاحمت قصيدة الفصحى؛ متخذةً منها شرعيتها ومن الجمهور الذي ساندها مكانتها.
وإننا حين نتحدث عن قصيدة العامية فكلنا يقينٌ أنها لم تنشأ من قبيل المصادفة وإنما من قبيل التطور، ذلك التطور الذي لا نُقيـِّمه وإنما نتعامل معه بكل ما يمنحه لنا من أدواتٍ وخصائصَ ليست من الشعر بغريبةٍ ولا منكرة.
وبالرغم من كل ما سبق فقد زاد حذرنا الآن ونحن نحاول جاهدين أن نرى كيف لشاعرٍ معاصرٍ يكتب باللهجة العاميَّة أن يوظف موروثه البلاغي ويطوره ويطوِّعه لخدمة نصه لا لهدم التراث كما يدعي البعض.
وربما سنقولُ بعد الانتهاءِ من الكتابِ أنَّ قصيدة العامية لا تقدم شيئاً منفصلاً عن تراثنا الشعري، وإنما تقدم لنا وجهة نظرها لذلك الموروث، إنها جزء من نسيجه لا يكاد ينفصم عنه وعن جمالياته وبلاغته، إنها باختصار .. (أدب عربي).


الهوامش
[1] راجع: تحولات النظرة وبلاغة الانفصال، عبد العزيز موافي، ص 226 وما بعدها.
[2] السابق.