الجمعة، 30 مارس 2018

الرجل الوطن وحلم الأنثى بالوجود


الرجل الوطن وحلم الأنثى بالوجود
قراءة في ديوان (لست مؤهلة للعشق) للدكتورة/ نجاة صادق الجشعمي


بقلم/ أحمد حنفي


بداية، لستُ ممَّن يتوسَّعون في تعريف مصطلح (الأدب النِّسْوي) على أنَّهُ كل ما أنتجته المرأةُ مِن شعرٍ وقصةٍ وروايةٍ ومسرحٍ ..إلخ؛ فالأدبُ النِّسْويِّ موضوعٌ أكثر مِن كونِهِ تصنيفا لجنس الكاتبِ، وإلا لطالعتنا كتب النقد في تضاعيفِها بما يُقابلُ ذلك المصطلحَ كالأدبِ الذكوريِّ مثلاً، وكما أنَّ أدبَ الطفلِ لا يكتبه الطفل وإنما مكتوبٌ له، كذا الأدب النِّسْوي مكتوبٌ للمرأةِ في تعريفٍ أوَّليٍّ بسيط.
وليس المقامُ الآنَ يسمحُ بالبحثِ في قضيةِ المصطلح؛ إذ أنَّنا بصددِ التقديمِ لديوانٍ شعريٍّ نستطيعُ وصفَهُ بالدَّافيء، ذلك الدفء الناتج عن صدقِ التجربةِ التي اشتمَلَت على مرارةِ فقدِ الوطنِ وفقدِ الابنِ، وضياعِ القوميَّةِ، كما اشتمَلَت أيضًا على حلاوةِ ودفء الرَّجلِ الوطنِ، الرَّجلِ الحبِّ. ولذا سنحاولُ أن نتلمَّسَ ملامحَ الأدبِ النِّسْويِّ في ديوان الشاعرةِ العراقيةِ د. نجاة صادق الجشعمي، وكيف أنَّهُ كانَ مرآةً صادقةً تنعكسُ عليه أدقُّ تفاصيلِ المرأةِ وأحلامِها وطموحِها وانفعالاتِها المتباينةِ.
العنوانُ يطرحُ في ثناياه تساؤلاً، لمَ تنفي الشاعرةُ أهليَّتَها للعشقِ؟ تُرى أيُّ أسبابٍ دفعتها لهذا الاعتراف الخطير؟
إن عنوانًا كالذي نحنُ بصددِه يدخلُ ضاربًا بقوَّةٍ في عمقِ التجربةِ الأنثويَّةِ والتي تتركَّزُ في احتياجِ المرأةِ للعشقِ - بمفهومه الأوسعِ والأشملِ- ذلك العشقُ الذي يكونُ بين طرفينِ، ويكونُ قائمًا على التراسلِ بينهما غير موقوفٍ مِن طرفٍ على حسابِ الآخرِ، كعشقِ الإنسان للوطنِ، وعشقِ الأمِ لأبنائها، وعشقِ المرأةِ للرَّجلِ الذي يمنحُها دفئًا وأمنًا وسكينةً. فهل فقدَت د. نجاة الجشعمي كل تلك الأطراف مجتمعةً لتقولَ: (لستُ مؤهَّلة للعشقِ)؟
سندعُ الديوان يتحدَّثُ عن نفسِهِ لنستخلصَ منهُ الإجابة، تقولُ الشاعرةُ في نصِّها المعنون بـ (احتلال أم استقلال):
"أحبك يا عراقي
رغم أنك نبذتني
لكن حبك
بدمي
أنا
أنا امرأة عراقية
بصرية الملامح"
ها هي تبثُّ شكواها للوطنِ مغلفًا بالحبِّ، الحبُّ يسبق الشكوى، ربما لأنَّ الوطنَ لم ينبذها بإرادتِهِ، ذلك العراقُ العربيُّ النبيلُ الذي يرزحُ تحتَ وطأةِ الحروبِ والفتنِ والاحتلالِ وسلبِ ثرواتِهِ ونهبِ خيراتِهِ والسيطرةِ على مُقدَّراتِهِ، وإنَّها كامرأةٍ عراقيَّةٍ تحملُ ملامحَ البصرةِ بتاريخِها ورمزها في الضميرِ العربيِّ تلتمسُ للوطنِ ألفَ ألفِ عذرٍ.
وهي في ذلك النَّصِّ وإن كانت في مقامِ البعدِ إلا أنَّهُ لم يتخطَّ البعدَ المكانيَّ لأنَّها تحملُ الوطنَ داخلها، تقول:
"ستبقى عراقي الأعلى والأغلى
 وأظل أضم
حروف اسمك
وألوان رايتك
كل ليلة
فى حضني
كوردة
كوسادة
كجملة
وهم  سيظلون على حافة مقبرة
ملطخة أيديهم بالدماء
آه .. آه
يا عراق العز
والمجد
يا بلد الأقوياء"

ونراها في نص (بطاقة ميلاد) وقد استعرَت بداخلِها الأوجاعِ، ووطأتها الغربةُ بالوجدِ، وسحقتها آلامُ الفراقِ، لتتساءلَ في عفويةٍ وبراءةٍ، وفي اندهاشٍ واستغرابٍ بالوقتِ ذاتِه، تقول:
"هل ولدتُ بلا وطنٍ؟
هل فقدت
هويتي
وشهادة ميلادي؟
 ليس عندي إلا
القلم
وورق
وصور فساتيني
وألعاب طفولتي"
فحينما لا يتبقَّى من الوطنِ إلا القلم والأوراق وبعض الصور والألعاب التي تنتمي لزمنِ الطفولةِ فنعلمُ وقتَها أيُّ ألمٍ يعتصرُ فؤادَ الشاعرةِ ليجعلها ليست مؤهَّلةً للعشقِ. لينتهي النَّصُّ بتساؤلٍ أليم، تقول:
"من..؟ يسترجع لي
وطني
وفرحي
وفستاني
وضحكات أطفالي .."
وتدور معظم قصائدِ الديوانِ حولَ تلكَ المشاعر التي تنفطرُ لها القلوبُ لفقدِ الأوطانِ وهو ما يذكِّرُني بتلكَ القصائدِ التي عزفَت على وترِ الوجعِ العربيِّ القديمِ بضياعِ الأندلسِ، فأينَ الآنَ عراقُ الحضارةِ والعزَّةِ؟ أين عراقُ الرشيدِ والمعتصمِ؟ إنَّ الشاعرة د. نجاة الجشعمي ألَّبَت بداخلنا الأوجاعَ كما هيَّجَها أبو البقاءِ الرُّنديّ حينما كتبَ عن ضياعِ أندلُسِهِ:

لكلِّ شيءٍ  إذا  ما تمَّ  نقصانُ     فلا يُغرُّ بطيبِ  العيشِ إنسانُ
هي الأمورُ كمــا شاهدتُها  دولٌ     مَن سرَّهُ  زمنٌ، ساءتهُ  أزمانُ

وما زالت د. نجاة تبثُّ أوجاعَها في نصوصِها المتفجرةِ بالحزنِ، فها هي تسردُ لحظةً أخرى مِن لحظاتِ الفقدِ، وإنَّها للحظة مأساوية بحق، تلك اللحظة التي أخبروها باستشهادِ ابنِها وسام، لم تقف على أسبابِ وطريقةِ وملابساتِ استشهادِهِ، إنما وقفت على تلك اللحظةِ التي توقَّفَ فيها الزَّمَن، تقولُ في نصِّها (في العاشرةِ مساءً):
"في العاشرة مساءً
يوم إجازتك
أنتظرك ..
جهزت لك
حلاوة التمر وعشاءك
المفضل
وقمصيك البرتقالي
المقلم
في العاشرة مساءً
انتظرتك ..
وقرآني ومسبحتي
وكأس الماء بيدي
وإبريق الشاي على
الفحم"
وكأنَّ الزَّمنَ توقَّفَ بها في الساعةِ العاشرةِ مساءً وهي تستعدُّ لاستقبالِهِ في ميعادِ إجازتِهِ حيثُ تُجهِّزُ له ما يحبُّ من طعامٍ وثياب، لكنَّها تتلقى خبرَ استشهادِهِ بذهول جعل دمعاتِها تتعثَّر، ربما إلى الآن..
"في العاشرة مساءً
دخل أبي
نظر لي
نظرة حائرة
متسائلة
ناطقة
فقال
وسام .. وسام
لن يأتي ولن
يعود
فتعثرت دمعتي"
لينتظمَ فقدُ الوطنِ مع فقدِ الابنِ في سلكِ الغربةِ والتيهِ لتصيرَ الشاعرة غيرَ مؤهلةٍ للعشق.
لكنَّ للعشقِ عند الأنثى وجهٌ آخر غير عشقِ الوطنِ والأبناء، إنه الرجل الذي يملأ فراغاتِ القلبِ، ويثبرُ أغوارَ الروحِ، ويلئم الجراحاتِ، ليصرَ هو الوطنُ والأبُ والابنُ والأخُ والزوجُ والحبيبُ، ذلك الرجلُ الذي احتوى وصارَ وطنًا بذاتِهِ. رأينا كيف صارت المرأةُ في شعرِ درويش معادلاً للوطنِ، الآنَ نجدُ في شعر د. نجاة الجشعمي صورة للرَّجلِ الوطنِ، تقول في نصِّ (كؤوس ورق):
"مضيت دون
قلمي وحلمي
وهناك عند
قاموس اللغة
وجدتك ووجدتني
فتلقفتني
رسمتني في قاموسك
فبهرتني وأذبتني على
كؤوس الورق
وتركتني
أدغدغ حرفي
الصبي وحلمي
الندي
فنهضت قصيدةً في.،
ألف ألف بيت
وشددت بك قامتي"
إنَّها تؤكدُ أنَّ الرجلَ لديها تخطى دورَهُ التقليديَّ كحبيبٍ، تخطَّاهُ إلى أفقٍ أرحبَ، تنهضُ به ويشدُّ قامتَها، ولأنَّها تدركُ أنَّ الرَّجل بالنسبةِ لها وطنٌ مكتملٌ فقد طلبت منه ذلك في نصِّها (مات اسمي)، تقول:
"امنحني حبًا
فلا تظمأ روحي بعده
أبدا
وانثرها
على وجه الأرض
نثرًا
امنحني ترنيمة
وتذوق
شوق  الفرات
امنحني صورة
لأعلقها على
حائط غرفتي
وعلى صدر دجلة
في المساء
امنحني حلمًا
لأمتلك
قلبك بدلاً
من قبضة
فضة أو ذهب
أنا
ما زلت لا أملك
إلا اسمى
الذى مات على عتبات
مدن غربتي
وتغرب فى أمواج
 البحر
امنحني ذلك
الحب الكوني
واسمًا جديدًا"
صورة من ندوة مناقشة الديوان بقصر ثقافة الأنفوشي بالإسكندرية

وهكذا نجدُ أنَّ الشاعرةَ د. نجاة صادق الجشعمي قد عالجَت في ديوانِها (لست مؤهلة للعشق) كلَّ آلامِ وأتراحِ المرأةِ العربيةِ، كما عالجَت أحلامَها وطموحاتِها وتطلُّعاتِها نحو رجلٍ يصيرُ لها وطنًا كاملاً، ومرتعًا للطمأنينةِ، وتصيرُ معه أنثى جديدةً باسمٍ جديدٍ لا ينتمي لسواه، لحظتها ستصيرُ مؤهلة للعشق.




السبت، 25 فبراير 2017

نقد الحياة في مجموعة (السيدة كاف) للدكتور/ عاطف عبيد

نقد الحياة في مجموعة (السيدة كاف)
للدكتور/ عاطف عبيد



بقلم/ أحمد حنفي

       قليلةٌ هي الأعمال التي تحتشد بالجمال والدَّهشة، ومجموعة (السيدة كاف) للأديب د. عاطف عبيد إحداها بالتأكيد؛ فقد ملأتني متعةً وأنا أقرؤها، لا وجود فيها للزَّمن إلا بشكلٍ نسبيٍّ نتبيَّنه من حدثٍ فارقٍ كالثَّورة (يناير) أو ما قبلها أو ما بعدها، وربما أنشأ لقصَّته حدثها الزَّمني الفارق كما في قصة (مغازي وحكايته ص147) مما أكسبَ تلك النصوص مرونةً وحيويَّة.
نقلَنا الكاتبُ لعدَّة أماكن؛ فمن ريف (كفر الشيخ) بقراهِ وعزبهِ وترعهِ ومصارفهِ إلى (القاهرة) بازدحامها وموالدها وشوارعها وفتياتها إلى ( الإسكندرية) و(دبي)، وبالرغم من ذلك لم يكن المكان بطلاً بقدر حضور الشخصيات والأحداث والعادات والتقاليد؛ فالشخصيات على مدار المجموعة مثَّلوا محوراً رئيسيّاً للسَّردِ، ولم يفت الكاتب تشريح المجتمع ونقده في تضاعييف قصصه وإن اتسمَ نقده بالسلبية؛ حيث لم يناقش ولم يفرض رأيّاً فلسفياً أو اتجاهاً أيدلوجياً، إنَّه اكتفى بالعرضِ وتركَ للقارئِ مساحته التي يقبل من خلالها أو يرفض تلك العادات والمسالب المجتمعية.

ووجدتني مدفوعاً بعد أن انتهيت من القراءة الأولى للمجموعة نحو البحث عن إجابة لتساؤلي، من أين تأتي تلك المتعة التي أثارتها بنفسي تلك النصوص؟ ثم بعد ذلك، ما الذي دفعني إلى إعادة قراءتها قبل تدوين ملاحظاتي على الورق؟ أهي من طزاجة الأفكار المطروحة؟ أم من بنائية النص ذات الطابع السردي السلس؟ أم من اللغة المتدفقة بعفويتها المنتمية لبيئتها؟ أم تراها كل ما سبق؟ ربما تكون القراءة التالية مجرد تفسير لتلك المتعة أو محاولة للبحث عن إجابة.


الشخصيات:

1- السيد كاف:

وهي التي عنونَ بها المجموعة، إنها امرأةٌ تتبدَّلُ في أحوال العشقِ، تنتقلُ من عاشق لآخر، مخلصة في خيانتها! لم يرسم لنا الكاتب صورة واضحة عن تكوينها الجسماني والنفسي والاجتماعي، بل نراه وقد رسم لها (صورة قلمية) لا تعتمدُ على مواقفَ وتصرفاتٍ وأحداث محددة، وإنما هي صورة أخلاقية لم يكشف فيها عن دوافع ذلك السلوك المنحرف، لتصير بذلك (السيدة ك) رمزاً وأيقونة للمرأة اللاهية اللعوب وتستحيل أنموذجاً متحرراً من قيديِّ الزمان والمكان، وهي (السيدة س) بالنسبة لي و(السيدة ص) ربما لآخرٍ، وهكذا.
إنَّ اختيار ذلك النموذج كعنوان للمجموعة يشي بانتشاره بين دفتيها، وهو ما تحقَّق بالفعل كما سنعرض لاحقاً.

2- عيسى المهدي:

ظهرت تلك الشخصية في ثلاثة مواضع (ص13، 33، 131)، يبدو شخصاً هامشيّاً، بلا أحلام تُذكر وبلا تاريخ موثَّق نطمئن إليه، تعمَّد الكاتب ألَّا يلتفت لهيئته ولا لوضعه الاجتماعي ولا لحالته النفسية كمكونات ثلاثة تحدد رسم الخطوط العريضة لأي شخصية، وربما لم يرَ أهمية لذكر تلك المكونات في ذلك النموذج الإنساني على الإطلاق، لكن هناك بُعداً رابعاً كان الأولى باهتمامه؛ إنَّه بُعد العقل الباطن، وهو ما تحدَّث عنه د. محمد مندور في كتابه (تأسيس فنون السرد وتطبيقاتها ص86) حيث ذكر أنَّ العقل الباطن "منطقة مظلمة داخل العقل البشري تكبت ثم تحجز فيه بعض النزعات والغرائز التي تقضي قواعد الأخلاق ومواصفات المجتمع وتعاليم الديانات بكبتها، فتترسَّب تلك المكبوتات فيما سمَّاه فرويد بالعقل الباطن ولكنها لا تموت، بل ربما زادها الكبت عنفاً وضراوةً. وهي تتحيَّنُ الفرص لتسيطر على سلوك الإنسان لا شعورياً وعلى غير وعي منه"

بالفعل لقد أثَّر ذلك العقل الباطن على سلوكيات وتصرفات شخصية (عيسى المهدي)؛ فإحساسه الدَّائم بالتهميش وعدم الأهمية جعله ذات مرة يجذب طرف الحديث ناحيته للتَّفاخر بأنَّه كان السَّائق الخاص للمشير/ عبد الحكيم عامر، ربَّما أراد أن يستمدَ شرفاً فاته أو أن يبني تاريخاً يفاخر به ويُقلِّل من شعوره بانعدام حيثيَّتِه، ونراه مرةً أخرى لا يكترثُ لابنه الذي تبحث عنه الشرطة وإنما وجد في ذلك مصدراً للفخر، يقول: "والله عندك واد بيحارب الحكومة يا عيسى يا مهدي" [ص34]، ونراه مرةً ثالثة يُحدِّثُ حمارته التي تتلكَّأ في مشيتها بنبرة صاحب الأمر والنَّهي. وبالتالي فإنَّ ذلك الصراع بين واقعه العادي غير الحافل بالإنجاز وبين رغبة عقله الباطن في صناعة تاريخ شخصي جعله يتحيَّنُ الفرصَ لا شعوريّاً لتزييف واقعه.

3- تجريد الشَّخصية:

اعتمد الكاتب على تقنية رمزية أو هي إليها أقرب في ومضتِه (لقاء ص152) حين جرَّد الشخصية من بشريَّتها وسمَّاها بصفتها، يقول: "التقى حزنان على قارعة الطَّريق فغمز كل منهما للآخر مبتسماً" إنَّهما نموذجان إنسانيان خالصان للحزن تقابلا صدفة وتآزرا بابتسامةٍ ربما يكون مفادها أنَّك لست الحزين الوحيد بالعالم، وهو ما فعله أيضاً بومضته (شقاوة حلم ص175) "التقى حلمان على قارعة الطَّريق"



4- المهمَّشون:

اهتمَّ الكاتب بهؤلاء البسطاء الذين يحيون من أجل كسب لقمة العيش ممَّن ليست لديهم أحلام يسعون لتحقيقها من أجل تغيير وتعديل وضعهم بالمجتمع، كتب عن الرِّيفيين البسطاء والباعة وسوق القرية وبائع الهريسة وبائعة الترمس، كما ألقى الضوء على هؤلاء الذين يتحدثون عن السياسة من البسطاء كما جاء في قصة (جوارب مسعد ص100)، يقول: "أصبح الذهاب إلى المقهى من طقوسي اليومية، أستمع إلى ضحكات هاربة من النوافذ، وحديث ساذج في السياسة، وأشياء أخرى مما تشتهر به مثل تلك الأماكن"، واستدعاء نموذج المقهى كما في المثال السابق كان موفقاً للغاية؛ حيث أصبحت المقاهي بمثابة الأندية الاجتماعية بالنسبة للمهمشين.

وربما يقوم المهمَّش بحيلة دفاعية ليقنعَ نفسه ومَن حوله أنه يحيا هانئاً، كما هو الحال في قصة (سيجارة لف)؛ فالبطل (صميدة المكاوي) يرى في قراريطه الثلاثة المشبَّعة بالأملاح أفضل في خصوبتها من فدادين العمدة، كما يرى أنه أفضل فلاحي مصر على الإطلاق ويُلقِّب نفسَه بفلاح مصر الأوَّل، ويرى أنَّ السجائر اللَّف أفضل من غيرها.. إلخ. إنَّه نموذج للمهمَّش الذي يؤكِّد على حضورِه بالرِّضا والاعتزاز بما يملك.

وقد تنوَّعت صورة المهمَّش؛ فهو المختلُّ (العبيط) تارة ص129، وهو مَن فقدَ عقله في حرب 1973 تارة أخرى كما في قصة (أبطال تحت الجسر ص107)، وقد يكون المهمَّش فتاة ليل رخيصة الأجر كما في قصة (قطعة جُبن ص91)، وهو ما دعا شخصية (سرور عطوان) في نص (الموت على جنب ص11) إلى دعوة المصلين قائلاً: "تعالوا جميعاً نجلس جوار الجدار القبلي للمسجد ونغطي أجسامنا ووجوهنا بالقشِّ حتى تُكتمَ الأنفاس ونموت على جنب كما عشنا على جنب"



تشريح المجتمع (نقد المجتمع):

يقول كوليردج "الأدب هو نقد الحياة وعليه أن يغوص في مناحيها".
ربما مالت معظم نصوص المجموعة نحو الواقعية باعتبارها تُعنى بتصوير الأشياء والعلاقات بصورة واضحة كما هو الحال في العالم الحقيقي الواقعي، فكما كان هناك اهتمام من الكاتب بتصوير الحياة اليومية للبسطاء كانت عاداتهم وتقاليدهم محلَّ عرض وتشريح في نصوصه، ويتَّضح ذلك من خلال محورين.

1- وصف فوضى المجتمع:



الأديب د. عاطف عبيد

يتَّصف المجتمع بالفوضى وعدم الانضباط وانتشار الرَّشاوي والمحسوبيَّات، ففي قصة (مطار المحروسة ص37) يجسِّد لنا ذلك كله من خلال مشهدٍ تهكُّميٍّ لطابور بمطار القاهرة، يقول: "وللطَّابور المصري ملامحه ومواصفاته الخاصة، فهو متعرِّج، مزدوج، بطيء، به أناس ينفخون الهواء ضيقاً، وآخرون يلعنون اليوم الذي جمعهم مع أناسٍ همجٍ في هذا الطَّابور" [ص38] كما لم يفته إظهار حيلة ربِّ أسرة جعل ابنه الرَّضيع يبكي بشدة ليقدمه الناس أمامهم ويفلت من الوقوف في الطابور الطويل البطيء!

كما التفت إلى عزف البعض على وتر الدِّين حين قرَّرت الديوك محاكمة ديكٍ آخر بتهمة أنَّه لم يؤذِّن لصلاة الفجر حقداً عليه من علاقته بدجاجة جميلة (قصة: ورع الديوك ص160)، إنَّهم ما كانوا ليحاكموه لولا حقدهم عليه؛ إذ لم يحاكموه لأنه عانقها، بل قاموا بالالتفاف حول الحدث وذلك عن طريق تأليب المجتمع عليه بدعوى تقصيره الديني، وبذلك تستحيل القضية من أخلاقية إلى دينية، أي من حدث خاص عارض إلى حدث عام.

وتعرَّض الكاتب إلى آفةٍ مجتمعيَّةٍ تطول المجتمع المصري منذ القدم؛ وهي ضياع قيمة الوقت، فنجد أهل القرية في قصة (مغازي وحكايته ص147) يؤرِّخون لأحداثهم بواقعةٍ طريفةٍ حدثت للطبيب البيطري الشاب حين أخرج ريحاً وهو يحاول تهدئة جملٍ هائج، لتصير تلك الواقعة حدثاً تاريخيّاً مفصليّاً عند أهل القرية!

2- التَّعرُّض لمسالب المجتمع وعيوبه:

كثيرةٌ هي الصفات التي لا تُحمد بوجودها في الفرد؛ فحين يخطئ أحدهم يتمسَّك بقراراته الخاطئة كما في قصة (كنترول زد ص43) حين أفسد بطل القصة على أخته حياتها وذلك لكونه من أعيان القرية الذين يجب أن يظلوا متمسكين بمواقفهم لا يبدِّلونها حتى لو اكتشفوا خطأهم فيما بعد.
كما عالج في قصتي (عناد ص51) و(طُرفة جدِّي ص121) صفة العناد الذي يُضيِّعُ على الفرد فرصة تحسين سلوكه، وظاهرة الإغراق في الحزن ظاهريّاً باعتباره وسيلة من وسائل كسب الاحترام المجتمعي.

وعن فوضى الدِّيقراطية وعدم فهمها على الوجه الأمثل ودفع الحاكم إلى الانفراد بالسلطة وغياب مبدأ الشورى وتكريس الديكتاتورية تدور أحداث قصَّته (نعناع برِّي ص127)، وعن اقتران السلطة بالمال والتجارة والتقاء المصالح الخاصة وتغليبها على المصالح العامة وما يقابلها من استسلام وسلبية مجتمعية تدور أحداث قصة (أيام عز ص95)
وجدير بالذكر أنَّ الكاتب تخلَّى عن عرض موقفه الخاص فيما نقل من آفاتٍ مجتمعيَّةٍ ودون انحياز لموقف على حساب آخر ليصير نقده بذلك نقداً سلبيّاً، ربما كان له وجاهته في ترك المتلقِّي يفكِّرُ في معالجة مثل تلك الآفات بطريقته الخاصة.




لقطة من مناقشة المجموعة بمختبر السرديات بمكتبة الإسكندرية بتاريخ 8 مارس 2016

أدار الندوة الأديب الكبير/ أ. منير عتيبة


صورة المرأة:

معظم تجليات المرأة بالمجموعة دارت حول فكرة (السيدة كاف) المرأة اللعوب اللاهية المخلصة في خيانتها وذلك في قصص (منتهى الوفاء ص171)، (جوارب مسعد ص99)، (قطعة جبن ص91)، (زفاف مؤجل ص71)، (المرأة السنترال ص47) على سبيل المثال، لكنَّها أيضاً ظهرت بصورة الأم المضحِّية في قصة (بطتان ص177)، والمرأة الحكيمة في قصة (كمال ابن خالي ص137) متمثِّلة في شخصية (عظيمة) والتي تدير بيتها بحكمة يحسدها عليها الرجال، كما ظهرت مندفعة في قصة (فصام ص157)، وزوجة الأب المتسلطة في (أنفاس مختلفة ص145)، كما ظهرت مرة قنوعة وأخرى متردِّدة فاقدة للثقة.

إلَّا أنَّ لشخصية (صفية) في القصة التي تحمل اسمها [ص133] تُعدُّ محيِّرةً إلى حدٍّ بعيدٍ، فهي رسَّامة، فنَّانة، تنقش عبارات على مقتنيات قديمة وخواتم فضِّيَّة وذهبيَّة للسُّيَّاح، ثائرة ترى أنَّ مصر باقية، تدفعها الأحداث حتى تستشهد عند الاتحادية وبالرغم من ذلك كانت تعتاد شرب الخمر والسهر حتى ساعات متأخرة، وهي بالرَّغم من هذا الحال من التَّخبُّط والتهميش تكمن قيمتها الفنَّيَّة في سؤال مفاده - ماذا وجدت في الوطن الذي لم يلتفت إليها طيلة حياتها لتؤلفَ مقولات من أمثال (الشعب يريد)، (ارحل يعني امشي)، (مصر باقية)؟


طاقات اللغة الشعرية:

اعتمدت النصوص على ذكريات وخبرات مرَّ بها الكاتب تحتشد مجتمعةً في تلك النماذج القصصية، وهي بحكم شريطها اللغوي المحدود تلجأ إلى تركيز وتكثيف كل شيءٍ لتضمنَ اتِّساعاً في الدلالة وتعدُّديَّةً في التَّأويل لدى القارئ ليبقى النَّص متوهِّجاً مفتوحاً على مصراعيه لكلِّ قراءة واعية دون أن يخمدَ ذلك التَّوهُّج، وهي إحدى سمات لغة الشعر.

ولنختبر ذلك في ومضته (حنين ص155)، يقول: "أرادت التوبة، فاغتسلت بالخمر"، فمَن التي أرادت التوبة؟ وممَّ؟ ذلك أوَّل انفتاح دلالي يواجهنا نتجَ عن المسكوت عنه، ذلك المسكوت عنه أحد أهم وأقدم خصائص الشعر، فكما قال البحتري "الشعر لمحٌ تكفي إشارته"، رأينا ذلك في الشعر الجاهلي؛ يقول المثقبُ العبديُّ:

أفاطم قبل بينك متِّعيني        ومنعُك ما سألتُ كأن تبيني

فبأيِّ شئٍ تُمتِّعه؟ بنظرةٍ أم بلقاءٍ أم بقبلةٍ ..إلخ، وبالتالي يتركُ المساحة للمتلقي لأن يشترك معه في إكمال النَّصِّ، وتصبحُ كلُّ قراءةٍ انفتاحٌ للمعنى ورصيدٌ جديدٌ يُضاف إليه، وعلى ما سبق وجب على القارئ أن يبحث عن ملئ فراغات النَّصِّ بما يتناسب وحالته أثناء التَّلقِّي وما يتحمَّله النَّص لغةً وتأويلاً.

كما أنَّ (الخمر) كعلامةٍ لغويَّةٍ تنفتحُ على دلالتين؛ أهي الخمر بمعناها الذي عرفناه عند أبي نواس حين قال:

دع عنك لومي؛ فإنَّ اللَّومَ  إغراءُ     وداونِي بالتي كانت هيَ الدَّاءُ

صفراءُ لا تنزل الأحزان ساحتها     إن مسَّها  حجرٌ  مسَّته  سرَّاءُ

أم تراها الخمر بمعناها الرُّوحي لدى المتصوِّفة المؤشِّرة لديهم على نشوة الوصل بالذَّات الإلهيَّة رغماً على جريهم مجرى القدماء في وصفها بصفاتٍ تنتمي لبيئتها وحقلها الدلالي، كما هو الحالُ عند أمير العاشقين ابن الفارض حين قال:

شربنا على ذكرى الحبيب مُدامةً      سكرنا بها مِن قبل أن يُخلقَ الكَرْمُ

وقالوا:  شربنا  الإثمَ، كلَّا  وإنَّما      شربتُ التي في تركها عنديَ الإثمُ


أمَّا في ومضة (حنين) فلم يحدِّد الكاتب مدلول الخمر في انفتاحٍ دلاليٍّ آخرٍ، فضلاً عن كونه طوَّر صفةَ العلامة اللغوية (الخمر) من دال على الشربِ إلى دال على الاغتسال جرياً على مبدإ وجوب الغسل لمن أرادَ التَّوبة كمشاكلةٍ بلاغيَّةٍ، كما يمكن أن نكمل المسكوت عنه بقراءات أُخر.