الخميس، 28 يناير 2016

زمن الماضي البسيط واختزال العالم

زمن الماضي البسيط واختزال العالم
وسيلة العبور نحو الحقيقة
قراءة في رواية (ليالي دبي/ شاي بالياسمين) للكاتب الكبير/ السيد حافظ


بقلم/ أحمد حنفي

 
أحمد حنفي
بدايةً .. فنحنُ أمام نص روائي يؤسس وعياً جمالياً مغايراً من حيث الشكل وطرق الأداء، وهو نص يؤطِّر بذلك الوعي المغاير فكرة الغريب ومفهوم الاغتراب المكاني والنفسي والاجتماعي.
بنية الرواية لا تتَّصف بالمرونة والانسيابية، بل نجده نصاً مرهقاً يتكون من مجموعة بنى مركبة يتعدَّد فيها الرواة وتتنوَّع فيها الأماكن وتختلفُ فيها الحقب الزمنية وتتمايزُ فيها أشكال السرد.
بالرواية حكايتان مختلفتان من حيث الانتماء الزمني؛ إذ لكلٍّ منها زمنه الخاص:
الحكاية الأولى، حكاية (فتحي رضوان خليل) الكاتب المثقف الذي واجه بمصرَ إحباطاتٍ دفعته للسفر إلى (دبي) مصطحباً زوجته معه، فتحي رضوان العاشق لــ (سهر) تلك الفتاة الحلم والتي تورَّط معها في علاقة غير شرعية.
الحكاية في مجملها تسلط الضوء على حياة مثقف وكاتب معاصر ناقد لوطنه ومجتمعه من أجل غدٍ مختلف ومغاير، وربما كان هناك تماهياً بين شخصيتي فتحي رضوان والمؤلف وهو الأمر الذي نجد له قرائن في أصداء السيرة الذاتية التي بثها كاتبنا الكبير/ السيد حافظ على مدار الرواية.
الحكاية الثانية، حكاية (كاظم) وقصة عشقه لــ (سهر) والتي تدور أحداثها بالشام وتشتبك معها قصة (الحاكم بأمر الله والجارية شمس) حيث تقوم شمس بدور المعادل الموضوعي لسهر.
الحكايتان لا تتقاطعان في الجزء الأول – شاي بالياسمين – ولكنهما متوازيتان، كما أنَّ بنية النصِّ بها مقاطع تحت مُسمَّى (تنهيدة)، تلك التنهيدات كانت تسبق قصة سهر، تتناول أحداث الفتنة الكبرى زمن خلافة الإمام"علي بن أبي طالب".
ومقاطع أخرى تحت عنوان (همسة)، تلك الهمسات كانت تسبق قصة فتحي رضوان وتحكي عن الصراع بين الحكم والعقيدة متمثلاً في قصة إخناتون.
كما كان لأدب السيرة الذاتية دوره الحاشد كفواصل بين الحين والآخر فيما جاء تحت عنوان (شخصيات في سيرة مسيرة ابن حافظ فيما حدث وما جرى في بلاد المسخرة)، وهي (نصوص / متون) تعتمد على مبدإ الكشف والفضح لمواقف جمعت الكاتب مع بعض رموز وأعلام الفن والثقافة والسياسة بمصر والوطن العربي سواء كانت تلك المواقف بالسلب أم الإيجاب.
وكل ما سبق يضعنا أمام نصٍّ يُكرِّس لمفهوم جمالي جديد لا يمنح مبررات فنية لذلك الشكل بقدر ما يثير داخل المتلقي عدة أسئلة، أهمها:
كيف يحتفظ الكاتب بحريته والتي هي أساس العملية الإبداعية وفي الوقت نفسه ينصاع لقوالب وقيود يفرضها الشكل الروائي التقليدي؟ أي كيف يكون حراً وأسيراً بآن؟
الكاتب الكبير/ السيد حافظ

هذان السؤالان هما ما أجاب عنهما السيد حافظ بذلك التمرد في بنية وشكل روايته (ليالي دبي)، ذلك التمرد الذي كان حلقة في سلسلة تمرد الرواية الجديدة والتي صاحبها تغيُّر التقاليد الفنية المعتادة للرواية الواقعية وتطور التقنيات السردية بما يتلائم والأنماط الجديدة والرؤى التي تطرحها.
والحقيقة أنَّ رواية (ليالي دبي) لا تنتمي لتيار روائي بعينه؛ فإذا ما نظرنا إلى قصة (الحاكم بأمر الله وشمس) ورؤية الكاتب لشخصية (الحاكم) باعتباره رمزاً للعدل والحضارة والرُّقي كما أننا لو نظرنا لتنهيداته وهمساته والتي جسدت الصراع الديني السياسي فهي رواية أفادت من الرواية التاريخية من جهة كإفادتها من ظاهرة الإسقاط السياسي والاجتماعي من جهة أخرى، كما أنَّنا لو نظرنا لقصة (فتحي رضوان خليل) باعتباره المثقف الذي يقف من الأشياء على مسافة تفرضها رؤيته ووعيه بالواقع فإنَّنا نستطيع القول أن تلك الرواية تنتمي إلى روايات تيار الوعي، وهي تلك التي ترى أنَّ الحقيقة لا تكمن في الواقع المعاش بل هي التي تكمن في الوعي الإنساني بهذا الواقع؛ فشخصية (فتحي رضوان) ما كانت تكتسب تلك الأهمية وذلك المعادل الموضوعي للكاتب نفسه إلا بامتلاكها وعياً بواقعها ومشكلات وطنها كذا مشكلاتها النفسية والعاطفية.
ومن سمات روايات تيار الوعي انفراط عِقد الحبكة الدرامية المحكمة واختلال توازن الزمان وتسلسله ليصبح زمناً نسبياً وتصبح الأحداث تروى من خلال تقطيرها في وعي الراوي أو إحدى الشخصيات.
((( راجع: قراءة النص، د. عبد الرحيم الكردي ص  )))

وجدير بنا أن نقف أمام الزمن الخاص الذي أنشأه الكاتب لروايته، فهناك تداخلات زمنية بين قصة الحاكم وشمس من جهة، وكاظم وسهر من جهة، وفتحي رضوان وعشقه من جهة ثالثة؛ ليصبح فعل الكتابة تقاطع مع الواقع وانتقال من حدث ماضوي لحدث ماضوي آخر كذلك الانتقال بين الصراع الديني السياسي أيام الفراعنة وما شابهه في أحداث الفتنة الكبرى، أيضاً قصة الحاكم وشمس وما ناظرها من قصة سهر مع كاظم وفتحي رضوان، ذلك التقاطع بين الواقع ووعي الكاتب في فعل الكتابة صاحبه تقاطعاً بين فعل القراءة - الذي يقوم فيه المتلقي بإعادة إنتاج المعنى - وفعل الكتابة ذاته.

وبالتالي يطرح السؤال نفسه، لماذا عمد الكاتب إلى إعادة طرح رؤيته في الحكايتين، وإعادة طرح موقفه في العلاقة بين الدين والسياسة في التنهيدات والهمسات، وإعادة طرح محنة اغتراب الأديب في قصة فتحي رضوان ولقطات السيرة الذاتية التي نثرها على مدار النص؟ وبما أن كل كاتب يهدف إلى وصول رؤيته عموماً للمتلقي فلمَ كل هذا التشظي الذي حفل به نص (ليالي دبي)؟
أعتقد أن الإجابة على تلك التساؤلات مرتبطة بمعرفة الزمن الخاص للرواية، ومن الجيد أن ننطلق من عند (رولان بارت) حين تحدَّث عن زمن الماضي البسيط باعتباره "حجر الزاوية في السرد، هو الإشارة الدائمة إلى الفن .... ولم تعد مهمته التعبير عن الزمن؛ بل إنَّ دوره إيصال الحقيقة إلى نقطةٍ ما وأن ينتزع من الأزمان المعيشة والمتعددة والمتراكبة حدثاً لفظياً صرفاً يجتثُّ التجربة الوجودية من جذورها"
((( راجع: الكتابة في درجة الصفر، رولان بارت، ترجمة: د. محمد نديم خشفة، ص40 وما بعدها)))

إنَّ مقولة التاريخ يعيد نفسه تؤكد على فكرة زمن الماضي البسيط، تلك الأحداث المتكررة وذاك الهم المصري والعربي الذي نفشل في تغييره رغم أنه يتكرر في مشهد عبثي من آلاف السنين.
إنَّ الكاتب الكبير/ السيد حافظ استطاع أن يجعل من الزمن الماضي زمناً مصطنعاً يفترض وجود عالم مختزل إلى خطوط دلالية مصاغة بماضوية يختبئ هو خلفها حيث يستدرج القارئ لتلك الحقيقة المتشظية عبر الزمن.
ذلك التشظي الزمني صاحبه تشظياً مكانياً وآخر شكلياً حيث يختلط السرد بالمسرح بالسيرة الذاتية بالسيناريو بالمقال الصحفي بالهوامش بالفواصل.
وبالتالي يمكننا أيضاً أن نعتبر رواية (ليالي دبي) من الروايات المنتمية لتلك التي تتكئ على جماليات التشظي والتفكك، وهي جماليات تعتمد على التجاور والتوازي والتزامن.
فدلالة حكاية (فتحي رضوان) تنبع أهميتها من مجاورتها لحكاية (كاظم وسهر)، كما أن دلالة حكاية (كاظم وسهر) تبرز هي الأخرى من خلال توازيها مع قصة (الحاكم بأمر الله وشمس).
وكل قصة ليست سبباً في وجود الأخرى كما أنها ليست نتيجة لها، فهي أحداث مفككة في ظاهرها لا يربطها مبدأ العلاقة السببية. ذلك التشظي وذلك التفكك إنما قام في رأيي مقام تقنية كسر حاجز الإيهام لدى المتلقي/ كسر الحائط الرابع، وهي تقنية مسرحية بالأساس.
إنه لا يريد للمتلقي أن يقع تحت سُلطة السرد وإنما يريد له أن يشتبك بوعيه مع النص والرؤيا، إنه لا يمارس التطهير، بل يضع المتلقي أمام الأزمة ويتركه ليبحث لها عن حل.
لنخلص إلى أن تلك الرواية تنتمي للروايات الجديدة التي أعقبت الرواية الواقعية من حيث أنها:
·       تمردت على التقاليد الراسخة للرواية الواقعية.
·       تخلت عن الحبكة الفنية المحكمة واستبدلتها بالتصميم الفني الذي يشبه التصميم في الفنون التشكيلية.
·       الحرية في القفز بين الأنواع الفنية وغير الفنية والإفادة من تقنياتها وبخاصة المسرح والسينما والسيرة الذاتية والكتابة الصحفية.
ومن الجائز لنا القول أن تلك المعايير والمفاهيم الأدبية الجديدة التي يكرسها نص (ليالي دبي) تفرض علينا الخضوع لمنطق ذلك الشكل الروائي للتعامل مع معطياته التي يمنحها لا مع القوالب الجاهزة التي تُفرض عليه، فلا يتعيَّن أبداً هنا البحث عن التسلسل والسببية في بناء الحدث كما لا يجب الحديث عن الشخصيات من حيث أبعادها البيئية وبنائها وتماسكها من عدمه بقدر النظر إلى اعتبارها أيقونات أو علامات ذات دلالات أعمق، وذلك لأننا بإزاء شكل جديد، متمرد، يفرض جمالياته والتي لن أكون مجاوزاً إن اعتبرت التمرد الفني قيمة بحد ذاته يحاول النص تجسيدها.

الأحد، 16 أغسطس 2015

بيرم التونسي .. المعنى والمعاناة

بيرم التونسي
المعنى .... و المعاناة (**)
==================

بقلم الأستاذ/ خالد هلال

محمود محمد مصطفى بيرم
تاريخ الميلاد / 4 مارس 1893م

مكان الميلاد / حى السيالة – الأنفوشى -  الأسكندرية
الجنسية  / حصل على الجنسية المصرية عام 1953 م و هو فى الستين من عمره
الحالة الاجتماعية / تزوج مرتين الأولى من السيدة نبوية أم ولده الكبير
                   محمد و ابنته الكبرى نجية و الثانية من السيدة إحسان
                   أم ولدية محى و أيمن و ابنته الصغرى صبرية
تاريخ الوفاة  / 5 يناير 1961 م
أعماله / 12 مجلداً تتضمن الأزجال و المقامات و قصة السيد و مراته فى
           باريس و أوبريت عزيزة و يونس  و له 11 أوبريت أشهرها
           شهر زاد و عقيلة و ألف ليلة و طباخة بريمو
          و نظم أغانى أفلام ... سلّامة.... عنتر و عبلة ... رابحة
و شارك فى نظم أغانى أفلام .. يحيا الحب ..فاطمة .. آمنت بالله .. انتصار الشباب ... تعال سلم ... عاوزه اتجوز ..آخر كدبة  ... و غيرها
الرصيد الإذاعى / ملحمة الظاهر بيبرس / ملحمة محمد على / مدينة
                    الملاهى / الفوازير / المسحراتى
دراسته / الكُتاب ثم مدرسة الرشاد ثم النصيرية الابتدائية حتى الصف
           الثالث الابتدائى
وبعد وفاة الوالد اضطر للالتحاق كصبي في محل بقالة ثم عمل كمساعد
لزوج أمه فى صناعة (هوادج الجمال) وكانت مهنة صعبة

إلى أن ماتت أمه سنة 1910 م فعاش الصبى الصغير فى بيت عمته و كان يقول :ـ



ابتدأت حياة من الضياع، فقد انتقلت للإقامة مع أختي لأبي المتزوجة من خالي، وكانت تعد علي الأنفاس والحركات والسكنات وتضيق ذرعًا بأية خدمة تؤديها لي

تزوج بيرم التونسي فى سن السابعة عشرة ابنة عطار كبير و أنجبت له ابنه محمد وابنته نجية وساءت أمور تجارته فأغلق محل البقالة بسبب تعنت المجلس البلدى وتحصيلة للرسوم الباهظة و بدأت رحلة بيرم التونسي مع الإمتــــاع و المتعـــــة وقصيـــدته الشهيرة والعبقرية
 ( المجلس البلدى )

 
قد أوقعَ القلبَ في الأشجانِ  والكَمَدِ
                        هوى  حبيبٍ  يُسَمّى   المجلس  البلدي
أمشي   وأكتمُ   أنفاسي   مخافة َ أنْ
                        يعدّهـا  عاملٌ   للمجلسِ   البلـدي
ما شَرَّدَ النومَ عن جفني القريحِ سوى
                        طيف  الخيالِ  خيال   المجلسِ   البلدي
يا  بائعَ   الفجلِ   بالمِلِّيـمِ   واحدةً
                        كم  للعيالِ  وكم   للمجلسِ   البلدي
و تتوفى زوجته تاركة له طفلاً و طفلة أقل من 6 سنوات يحتار فى التعامل معهما فيتزوج بعد 17 يوماً من وفاة زوجتة الأولى..


اتجه بيرم للزجل ليستطيع أن يصل بكلامه و أفكاره إلى السواد الأعظم من العامة ليعبر عن همومهم وآلامهم و أحلامهم و بدأ رحلة الدفاع عن المظلومين و المطحونين فحاول أن يصدر جريدة أومجلة فرفضت السلطات ذلك فأصدر فى4 مايو 1919م مطبوعة أسماها ( المسلة لا هى جريدة و لا مجلة ) و ذلك تحايلاً على السلطات الظالمة آنذاك و بعد 13 عدداً تم إغلاقها و مصادرتها فأصدر مطبوعة أخرى أسماها ( الخازوق) لم يصدر منها إلا عدد واحد صودرت و تم نفى بيرم التونسي .... و بدأت رحلة المعاناة الكبرى.
و كان مما نشر فى هذا العدد الأخير قصائد تتعرض للملك فؤاد شخصياً و لابنته الأميرة فايقة ...

ولما عدمنـــا بمصـر الملـــــوك
جابـــوك الانجليز يافؤاد قعّدوك
تمثل على العرش دور الملــوك
وفين يلقــوا مجرم نظيرك دون



و كتب يقول :

البنت ماشــية من زمــــــان تتمخطـــــر
 وال
غفلة زارعة فى الديوان قرع أخضر

تم نفى بيرم التونسي فى يوم عيد الأضحى و يقول فى ذلك :ـ

يوم الدبايـــح كان ... آخـــر مواعيــــدك
وقفت له فرحـان ... أنصب رايات عيدك
وأفرش لك الريحان ... واسمع زغاريدك
زعق غراب البيـــن ... فصّلت أكفـــاني


خيبة أمـــل ومــــرام ... واعـــــر ومتعسّر
يا ريته كان في منام ... يصبـــــح ويتفسّر
أو حكم بالإعـــــــدام ... ع الناس بيتسطّر
ماكان تشوف العين ... حالي اللي بكّاني


و  يرتحل من تونس لفرنسا لمحاولة دخول مصر و فشل وأعمال شاقة فى مرسيليا بفرنسا لسوريا إلا أن  بيرم التونسي من منفاه لم ينقطع عن مراسلة  الصحف و المجلات مواصلاً حملته ضد الفساد و الظلم


ع السين يا مصر مشيت ... إيّــــاك يسلّينـــي
عليــــــه عب
ـــد جولييـت ... تركي على صيني
يا مـــــا لقيــــت ورأيــت ... جمـــــال ينسّيـني
واتفكّـــــر الهرميـــــــــن ... تجري الدموع تاني





و دعونـــا نتجول قليلاً فيما كتبه يرم التونسي فى منفاه ....

قالــــــــوا اللى يشرب من نيلك ...... لابـــــــد يرجع و يجيلك
و انا اللى عطشان فى سبيلك.......الدنيا ايه اللى جرى لها

لا سطل خــــــــروب يسعفنى........ و لا ابن نكتـــه يكيفنى
ما يقصف العمـــــــــــر و يفنى..........غير الخلايــــق بعبلـها


و يقول
 

غلبت اقطـــــع تذاكــــر
وشبعت يارب غربـــــة
بين الشطوط والبواخر
ومن بلادنا لأوروبــــا
و يقول

حاتجــــن ياريت يا اخونـــا مارحتش لنــدن و لا باريز

دى بلاد تمدين ونضافة و ذوق و لطافة و حاجة تغيظ



و يقول :

الأوله آه ... و التانية آه ...و التالتة آه
الأوله مصـــر .. قالــوا تونسي و نفـونى  ... جزاة الخير و إحسانى
و التانية تونس ... و فيها الأهل جحدونى ...وحتى الغير ما صافانى
و التالته باريس .. وف باريس جهـلـونى ...و انا موليير فى زمانى


ويقول :

يا اسكندريـــة ...ياللى زاينة البحر الابيض
يا نور عينية... ع الشباب و عليكى يعوض
كتمت نـــــارى ... من نهار البين فى ضلوعى
و فضلت أدارى ... عن عيـون الخلق دموعى
رأيت مــوانى ... عن يمين ملكك و شمالك
ما شفت تانى ... فيه أثر من بعض جمالك


و يقول :

أرض الحبايب بعيـــدة ... يـــا لهفى ع الحبـــــايــب
قالوا المحطة الجديــدة .... حــررعليـــها العقـــارب
تحظى بمصر السعيدة .... عندك فى أرض المغارب


و يقول :

إن كان ع السجن دخلنا  .... و ان كـــان ع الملح أكلنا
و الصوم نحلناه و نحلنا .... خللى اللى فاضل لرجالها



و غيره الكثير و الكثير من الأزجال التى تفيض شوقاً و اشتياقاً

و فى إحدى السفريات و هو منتقل من سوريا إلى جنوب إفريقيا وقفت السفينة فى بورسعيد و ساعده أحد ( البمبوطية ) هناك لدخول مصر و يقول بيرم التونسي :

فى بور سعيد السفينة ....وقفت تفرغ وتملا
و البياعين حوطونا ..... بكارت بوستال وعمله
و بوليس المدينة .... ماتزوغش من جنبة نمله
يا بور سعيد و الله حسره ... و لسع يا اسكندرية
هتف لى هاتف و قال لى ... إنزل و من غير عزومه
انزل ده ساعة تجلى .... فيها الشياطين فى نومه
انزل ده ربك تمللى .... فوقك وفوق الحكومه
نطيت فى ستر المهيمن ... للبر يا حكمدارية

و استطاع أن يصل إلى القاهرة و هناك نزل فى لوكاندة الحاج سالم فكتب يقول :

نزلت فى مصر مستخفى فقير وأديب
دخلت لوكان
ـــدة مفتــــوحة لكل غريب
تعلق الحـــاج سالم نعمـــة الله حبيب
راجــــل معـــلم مكمل تربيــــة كتاتي
ب

سعى أصدقاء بيرم وعلى رأسهم الرائع/ كامل الشناوى لاستصدار عفو ملكى و نصحوه بنظم زجل جديد يعيد فيه الاعتبار للأسرة الحاكمة وكان بيرم قد هدته الغربة و سنوات النفى فاضطر للنزول على رغبة أصدقائه أن يكتب مدحاً فى الملك فاروق والأسرة العلوية كتب فيه:-


يا فرحتى يا هنايا .... رجعت فى عيد جلوسه
وكل قصدى و منايا ... أفرش له خدى يدوسه
و أخد تراب السرايا ... من تحت رجله أبوسه
بس الحكمدار و جيشه ... داير يفتش عليه


و يبدو واضحاً أثر النفى و التشرد على بيرم فى هذه الأبيات ليستطيع أن يحصل على العفو الملكى بين أحضان بلده و أولاده و أحفاده ...
إلا أن ثورة يوليو تقوم فى العام التالى و يشعر بيرم أن البلد تعود لأصحابها وأصبح وضعه السياسي و هو الذى حارب الفساد طول سنين عمره و ها هو الآن يمدح الملك  فكتب قصيدته الرائعة :ـ


مرمر زمــــانى يا زمـــــانى مرمر
ياللى سمعتم فى الإذاعــــة صوتى
دى مسأله فيها حيـــاتى وموتــــى
مطيبـــــاتى كنت و لا حانــــــــوتى
فى الفرح و الأحــزان باقوم متأجر


و فى ديسمبر 1960 م و بمناسبة عيد العلم يتم تكريم بيرم التونسي ومنحه وسام العلوم و الفنون ليرحل بعدها بأيام فى الخامس من يناير 1961م  متأثراً بداء الربو تاركاً وراءه تراثاً شعرياً و زجلياً خالداً و سيرة حافلة بالكفاح و التضحية فى سبيل الكلمة الحرة الصادقة و الجريئة.

-----------------------------------------
(**) ألقيت هذه المحاضرة بنادي أدب قصر ثقافة القباري يوم الخميس 13 أغسطس 2015

خالد هلال

الخميس، 30 أبريل 2015

مشكلة الإغراق في المجاز


مشكلة الإغراق في المجاز 


بقلم / أحمد حنفي


يمنحنا المجاز المفرط دائماً تجاعيد على وجه القصيدة وبالتالي فهو سلاح ذو حدين إما يغمرك بنشوة النص وإما يخرجك خارج دائرته وبالتالي فقدت القصيدة دورها وتحولت إلى ظاهرة لغوية - بلاغية ..وتحولت القصيدة من دورها كمرسلة لن تتحقق إلا في ذهن المتلقي إلى شفرةٍ يجتذبها التأويل إلى أقرب حالة نفسية للمتلقي وهي سمات القصيدة الشخصانية التي لا تتحقق بالكامل إلا لدى كاتبها فهو وحده من يمتلك شفرتها ..ليس معنى ذلك أن القصيدة المفتوحة على مصراعيها للمتلقي قصيدة جيدة .. بل اعتبرها بودلير من سمات الشعر الزائف كونها تفرط في التعبير عن المعنى ورأى أن الشعر لابد وأن يعرض من خلال صورة مبرقعة (أي: من خلف حجابٍ شفيف)يتبقى لدى الشاعر حساسيته ومقدرته في استخدام المجاز لصالح الفن وانتصاراً له وليس من أجل الانتصار للتفرد والتمرد بآن ..وعي الشاعر هو من ينبئ بشاعر يعيش وسيظل وآخر يموت بعد قصيدته بثوانٍ قلائل...

30 إبريل 2015

الإسكندرية

الأحد، 19 أبريل 2015

والقرنفُلِ إذا هوى

والقرنفُلِ إذا هوى


شعر / أحمد حنفي



(أ)
أحملُ نبضتينِ من دماءٍ
وأنزفُ بعيداً
خلف صحراءٍ ..
تنمو على جانبي النهرِ
أُفرِّغُ قلبي ..
وأعودُ طيفاً يحومُ
أصقلُ نصلاً جديداً
أطعنني
فأنزفُ حروفاً تتشكَّلُ ..
وبعضَ قصيدة

(ب)
أرسمُ بالنصلِ على جدارِ القلبِ ..
بيتاً
تسكنه الملائكةُ
وعلى سبيلِ الاحترازِ ..،
ألقيتُ شِفرةَ مفاتيحِهِ بأشعاري ؛
فالملائكةُ لا تقرأُ الشعرَ
سأعلِّمهم كيف يكتبونه في المستقبلِ
وكيف يستغفرون به من اللا ذنبِ
وحرصتُ أن يكونَ بلا نوافذ ..
غير التي تطعنُ الصمتَ ؛
لأنني علمتُ أنَّ الملائكةَ ..
لا تُجالس الشعراء

(ج)
يحدثُ في تلك الصحراءِ البعيدةِ ..
أنَّ زهرةً ..
بدت مرشوقةً في جبينها
بعد يومين أنبتت ساقينِ عاريتينِ
وراحت تطفقُ عليهما من المجازِ إزاراً
وأخرجت نهدين مكتملي الاستدارةِ
وخصراً .. ينبضُ بالتَّمحُّنِ
تجلسُ في الليالي القمريةِ
مُرخيةً جدائلَها على صدرها
تترنَّمُ بصوتها / السحرِ
تُصوِّبُ في عينيّ حلمتيها المنتصبتينِ
تُشهِّيني ..
بشهدها المُسالِ على إزارها
إنها تتخلَّلني تماماً
عند الفجرِ ..
نستبقُ إلى النهرِ
لترتدي مجازَها الشهيَّ ..
ونبضتينِ من دمي

(د)
كلما سطعَ في السَّماءِ نجمٌ ..
هوت إلى الأرضِ قرنفلةٌ
وكحبَّتينِ من التَّوجُّسِ
أحملُ الطريقَ على كتفي؛
فالقرنفلُ لا يرتدي حذاءً ضدَّ المطرِ
ولا تطربُهُ نغماتُ المرجانِ اللاذعةُ
لطفاً أيُّها المرجانُ ..
دعني أتذوَّقُ حبَّتينِ منهُ ..
قبلَ أن تدهمَهُ بموسيقاكَ التي لم تُلحَّن بعد ..

(هـ)
قد أضطرُّ إلى إغلاقِ النَّافذةِ الآنَ
مُتَّكئاً على صمتي ..
اقرأُ لشاعرٍ .،
انداحَ على صدرِ قصيدةٍ
وتسلَّلَ عبرَ لُعابِ زهرتهِ ..
  كوميضٍ
أستطيعُ أن أراه الآنَ ..
منتحراً
بين دفتيِّ كتابٍ ..
لُطِّخت أوراقُهُ بالقرنفُلِ ..
بعد أن كتبَ قصيدتَهُ ..
(والقرنفلِ إذا هوى)

(و)
صوتُها المألوفُ كضجيجِ المقهى
ربما كصوتِ الترامِ
لقاطنِ الشُّرفةِ المطلَّةِ على الميدانِ
صارَ لا يرسمُ خارطةً للنَّبضِ
ولا يحملُ منعتقاً للبوحِ
سوى زهرة ..
غادرها الذهولُ ..
حينَ نبتت عاريةً في تلك الصحراءِ البعيدةِ
لم أكن أعلمُ أنَّها تنتمي ..
لتلك التي يسمونها ..
                     القرنفُل.


                                                      7 إبريل 2015