السبت، 15 نوفمبر 2014

توضيح حول موقفي من أ. محمود عبد الصمد و د. خيري السلكاوي ..

توضيح حول موقفي من  أ. محمود عبد الصمد و د. خيري السلكاوي .. 

بقلم / أحمد حنفي

بالطبع ليس بخافٍ على المتابع للساحة الأدبية بالإسكندرية ما هو دائر من مناوشاتٍ لا ترقى لأن توصف بالمعركةِ الأدبيةِ بين الأستاذ و الشاعر و الناقد محمود عبد الصمد زكريا و د. خيري السلكاوي و التي تركت الأدب موضوع الخلاف و الأجدر بالمناقشة لتنال الأشخاص و القدح في الذوات و كان لي في تلك القضيةِ رأياً ربما عدَّه البعض معتبراً و ربما البعض الآخر رآه متجاوزاً للدرجة التي سمحت لنكرةٍ من هنا و كائناً من هناك أن يتهمني بممارسة لعبة من شأنها تسليط الضوء على شخصٍ و إخمال ذكر آخرٍ و كفى بهؤلاء جهلاً و ادعاءً أنني لستُ العقَّاد حين أعلنُ أن هذا محققٌ و هذا حقيقي و ذاكَ مدَّعٍ ستلتصقُ بهم تلك الصفات و كأنَّ معي أختام صكوك الإبداع و الادِّعاء ..


لكن الأمر على خلاف ذلك و ربما يجدر بنا شرحه من بدايته ، حيث كانت البداية بالتصريح لجريدة الواقع العربي الإليكترونية عن استيائي للطريقة التي تدار بها الأنشطة الثقافية بقصر ثقافة الشاطبي من فعاليات أراها لا ترقى للمستوى الأدبي الذي نطمح إليه من ذلك مثلاً إنشاء الصالونات الأدبية لأشخاص يديرونها و مع احترامنا لأسمائهم و شخوصهم أرى أننا حين نتحدثُ عن صالونٍ أدبيّ المفترض أن يديره قامةً بحجم د. العشماوي مثلاً و الذي بموته توقفت الصالونات الأدبية بالثغر هكذا أرى أنا معنى الصالون الأدبي و معنى أن يديره قامةً تفيد بعلمها و ثقافتها الحضور من الأكادميين و الأدباء على حدٍ سواء .. هذا رأيي و أنا حر أعبر كيفما أشاء خاصةً و أنني لم أتناول أحداً بعينه بل قلت " أن قصر ثقافة الشاطبي أصبح وكراً لأنصاف المبدعين و المدعين " لكنَّ هذا لا يعني أن كل من يقيم نشاطاً به فهو مدَّعٍ بدليل أنَّ الأستاذ حسني منصور يدير نشاط قصر ثقافة مصطفى كامل هناك و كلنا نعلم من هو حسني منصور و لا أظنه يحتاج شهادة مني ..  بل أظنه لا يعرفني أصلاً و لكن الحق أقول إنَّ لحسني منصور من الوعي و الموهبة ما يمكنه من إدارة ندوة قيمةٍ كتلك التي يديرها و بالتالي ليس كل من يقيم نشاطاً بقصر ثقافة الشاطبي ينسحب عليه التصريح السابق ..


ثمَّ كان ما كان من أزمةٍ نشأت بين الشاعر محمود عبد الصمد زكريا و بين د. خيري السلكاوي و التي لا أعرف سببها الحقيقي و لست أسعى لمعرفته لكنَّ ما استوقفني و بشدةٍ هو إعلان الأستاذ عبد الصمد عزوفه عن حضور ندوات و فعاليات ثقافية بالإسكندرية نتيجة ما ناله من طرف د. خيري السلكاوي و ما ترتب عليه من ضررٍ نفسي أسلمه للإحباط و التخلي عن كافة التزاماته نحو الأدب و الأدباء و هو الأمر الذي رأيته حسب تقديري جللاً و لا ينبغي أن أترك قيمةً كتلك تنسحب من الساحة الأدبيةِ السكندرية مخلفةً فراغاً يعيي من يحاول ملأه .. و وجدتُ نفسي مدفوعاً للكتابةِ ليس لأساند الأستاذ عبد الصمد و لكن لأنني رأيت أن أساند القيمة و الفكرة فربما اليوم عبد الصمد و غداً فلان و بعد غدٍ نراها خاوية على عروشها .. رأيتُ أن أدعم تاريخاً و قامةً كعبد الصمد و لكن عبد الصمد صار لدي كنايةً عن الأديب الذي ما له أن يتخلى عن موقعه و فكرةً أجدرُ بها أن تكون مجرَّدةً معزولةً عن الأسماء و الأحداث .. و هو ما يعني أنَّ الأستاذ عبد الصمد لم يستأجرني للكتابة نيابةً عنه أو دفاعاً أو دعماً لأنه و ببساطةٍ شديدةٍ للذي لا يعرف عبد الصمد أنه أقدر مني للحديث عن نفسه و الدفاع عنها و أنه ليس من هؤلاء الذين يخوضون حروبهم بالوكالة و ببساطةٍ أشدُّ للذي لا يعرفني فلست من هؤلاء الذين يسخرون أقلامهم لحسابِ الآخرين إذ إنني لست طامعاً في مالٍ و لا منصبٍ و لا عضويَّة مكانٍ ما و لا ما شابه ذلك و الجميع يعرف أنني أشتغل على مشروعي النقدي الخاص بالكتابة عن الشعراء السكندريين و الشباب منهم على وجه الخصوص أمثال هشام دياب و وليد المصري و تامر أنور و أحمد كامل و أشرف دسوقي .. و غيرهم الكثير و لن أكون مستعداً لأن تستهلكني تلك المناوشات أو أشباه المعارك للدرجة التي جعلت من نكرة لأن يقول أنَّ "الأخ أحمد حنفي يمارس لعبة ترفع فلاناً و تحط فلاناً" و هو ما ليس بغريب على نكرةٍ تدعي لتري الجميع مثلها ممن يمارسون الألعاب القذرة .. فأنَّى لنا هذا !

أ. محمود عبد الصمد زكريا

 صحيحٌ أنني انفعلت في ذلك المقال و تطاولت .. لكنني كما قلت كنت مدافعاً عن قيمةٍ أراها -  و لمَّا أزل -  فاعلة و مؤثرة بحياتنا الثقافية بالإسكندرية و أكرر أنَّ الأستاذ عبد الصمد لا يحتاجني للكتابة عنه فالرجل موجود و محقق بالفعل لا يكاد يمر شهر إلا و تقرأ له مقال أو قصيدة أو دراسة بدوريةٍ عربية أو مصرية أو تراه محاضراً بندوةٍ أو مؤتمر و آخرها من أيام قلائل بمؤتمر ديرب نجم الرابع عشر بالشرقية ..


و انفعل الشعراء و الكتاب بالمقال الذي كتبت و كان بعنوان "محمود عبد الصمد و مدعو الثقافة" و لاقى ردود أفعالٍ جلها يصب في وعاء الأستاذ عبد الصمد فقط لأنهم يعلمون قيمته ..


و لكن بعد مرور أسبوعٍ تراجع البعض عن آرائه و اعتذر البعض حين راجعهم د. خيري السلكاوي و الذي حين علَّق على المقالِ لم يشر لي من قريبٍ أو بعيد بل ركز كل جهده في الذب عن نفسه و الاهتمام بدحض تاريخ الأستاذ عبد الصمد مغلفاً ذلك بغلالةٍ من السباب و القذف المتعلق بمقدرته الأدبية من جهةٍ و بشخصه من جهةٍ أخرى و أصبح الأمر مرتعاً للتراشق بين كل الأطراف على صفحاتهم الشخصية .. و لأنه لم يوجه لي حديثاً عن مقالتي بتعليقه فقد تجاهلته و لم أرد تاركاً المساحة للأستاذ عبد الصمد أن يدافع عن نفسه إن شاء و ليعلم الجهال أنني لست مأجوراً و إلا لكنت رددت على د. خيري السلكاوي و هذا لم يحدث و كذا لم ينبس الأستاذ عبد الصمد ببنت شفةٍ و لم يدافع عن نفسه و هذا شأنه ..

د. خيري السلكاوي

ثم كان الأمر الذي أحرجني فعلاً حين أرسل لي د. خيري السلكاوي رسالةً على الفيس بوك أنشرها لكم كاملةً ، نصها كالآتي :
(لن اقول لك غير اتق الله فيما تكتبه عنى ولم يسبق لك معرفتى ولم اؤذيك فى شىء و تحرى الصدق .. وليس كل ماتسمعه تصدقه )
فقد أحرجني الرجل بدماثته و لابد أن أعترفَ أنني كنت أتوقع منه تلك الرسالة و لكن ليس بذاك المضمون فقد حدثوني عنه أنه سريع الانفعال كثير السباب يعشق المشاكل و لذا فقد توقعت منه رسالة ملؤها السب و القصف و الوعد و الوعيد .. و صحيحٌ أن أيَّــاً من تلك الأمور له عندي ما يماثله إن لم يكن أكثر لكنني ما كنت لأرد عليه إن فعل حتى لا يستغرقني بعيداً عن مشروعي الشعري و النقدي .. فما كان مني إلا أن أكتب له برسالتي التي أنشرها كاملةً لكم الآن ..


(د. خيري السلكاوي
بدايةً لا شكَّ في أنَّ تقوى الله مطلباً نبتغيه و حصناً نلوذُ به من شرّ أنفسنا فرجاءً لا تطلب مني أن أتقيه سوى أن تكون ناصحاً و هو ما يسعدني على الدوام أن أجدَ الناصحين .. و لك عندي نقطتان موضوعيتان - و بما أنَّك رجل علم - فأعترفُ لك بهما :
النقطة الأولى: أنه يجب عليَّ تحرِّي الصدق
 النقطة الثانية: أنه ليس كل ما أسمعه أصدقه و بالتالي لك عندي في مقابل هاتين النقطتين الموضوعيتين أمران :
الأمر الأول: حذف الموضوع من المدونة و من الفيس بوك
 الأمر الثاني: تكوين وجهة نظر خاصة بي 100% عن كتاباتك الشعرية و ربما يحالفني الحظ و أجد ما طبعت من دواوين شعرية لحظتها لن أتردد عن كتابة وجهة نظري من منظورٍ علمي محايد تماماً و لكن عليك معرفة بعض الحقائق الهامة عن الموضوع و ربما عني ، ألخصها في النقاط الآتية :
أنا لست مدفوعاً من قبل محمود عبد الصمد فلست أنا من يستأجر من قِبل البعض للانتقام من البعض الآخر
إنَّ ما حملني للكتابة عن تلك الأزمة هو أن الشاعر محمود عبد الصمد كتب أنه يتعرض لضغط و تشويه متعمد و أنه سيعكف بمنزله مبتعداً عن الحياة الأدبية و هو ما أثار لدي إحساس بالقهر ينبغي أن يُساند من قبل المبدعين خاصة و أنا أرى أنه شاعر و ناقد مهم و رؤيتي تلك لا علاقة لها بشخصيته و إنما هي الحقيقة التي لا يستطيع إغفالها منصف
إنَّ لي مشروعي الشخصي سواء كان بالشعرِ أو النقد و لن أسمح أن تستهلكني تلك المعارك خاصة و أنا لست طرفاً فيها لكنه كان انفعال و أخرجته على الورق و لن أكرر الكتابة فيه و يكفيني كتابة رؤيتي النقدية عن شعراء الإسكندرية و كتابها بعيداً عن شخصياتهم و حياتهم الخاصة
عندما كتبت ما كتبت لم أكن أقصدك صراحةً و إنما تكلمت عن القضية بعمومها و التي قد يتعرض لها أي أديب
أحب أن أكرر أنني حر في كتاباتي و لا يتم دفعي من قبل أشخاص خاصة و أنني و الحمد لله في غنىً عما يتهافت إليه الناس سواء كان مالاً أو شهرةً كما أنَّ قلبي لا يرجف أمام أحد
أشكر لك صبرك و أعتذر عن الإطالة
و ربما أطلعك مستقبلاً برؤيتي في كتاباتك الشعرية إن كنت مهتماً لذلك و حتى أكون موضوعياً
و ربما وجب عليَّ شكرك لمراسلتك لي على الخاص فيما أعتبره مبادرةً تعبرُ عن دماثتك في المعاملة معي
أحمد حنفي – 13 نوفمبر 2014 )


ثم كان من د. خيري السلكاوي أن ردَّ عليَّ برسالة لن أنشرها لاعتبارات أحتفظ بها لنفسي لكن الرجل ردَّ بدماثةٍ بتُّ ءألفها لديه مشيراً إلى أنه يجب عليَّ نشر اعتذارٍ عما كتبت كما فعل الذين علقوا على المقال الذي نشرت بمدونتي (بوابة النقد الأدبي)  و المعنون كما قلت (محمود عبد الصمد و مدعو الثقافة) و هو الأمر الذي حدا بي أن أكتب ذلك التوضيح المطول فعلى الرغم من كوني لا أرفض ثقافة الاعتذار إلا أنَّ لي تحفظ على ذلك الطلب من د. خيري السلكاوي ؛ فإن كان من حقه أن أعتذر عن بعض التطاول بالمقالِ فأنا لم أذكر أسماءٍ و لم أتناول سيرته و هو الأمر الذي يقيني حرج الاعتذار أما إن كنت مطالباً بالاعتذار عن رأيي في أديب بحجم الأستاذ عبد الصمد فهو الأمر الذي لا يجب الاعتذار عنه لأنه محققٌ بالفعل و لن يجدي فيه رأيي نفعاً و لا ضراً .. لكنني ذكرتُ في أكثر من موضعٍ أنني أنتصر لفكرةٍ قد تطولني في يومٍ من الأيام معاول هدمها ..


لكن عزيزي د. خيري السلكاوي إن كنت ترى في تقديري لدماثتك و حرجي من أخلاقك ما يستوجب الاعتذار فلا بأس إذن أن أعتذر أني توقعت منك السوء و وجدت منك حسن الخلق على عكس ما سمعت عنك ..


أرجو أن تكون مبادرة الصديق المبدع حسام الحداد لرأب الصدع و التي أطلقها في إحدى تعليقاته على المقال محل اهتمام منك و من الأستاذ عبد الصمد ..
 و دعونا الآن نتفرغ لما هو أهم من الخلافات و تضييع الوقت الثمين لكليكما ..
تقبلا احترامي لشخصيكما.


أحمد حنفي
الإسكندرية – 15 نوفمبر 2014

الأربعاء، 12 نوفمبر 2014

الأدب .. و احتمالات البقاء حياً

الأدب .. و احتمالات البقاء حياً

بقلم / أحمد حنفي


ربما لم يرَ البعضُ في الأدبِ مساحةً للحياةِ توازي و تكمِّلُ في آنٍ حياتنا الحقيقية التي نعيشها .. لكنني أستطيعُ أن أجزمَ بأنني أرى في الأدبِ و الاشتغالِ به نمط حياةٍ ..

بل لن أكونَ مجاوزاً لو قلتُ أن الأديب الحقيقي هو من يرى حياتَه الحقيقية - أو هكذا يسمونها - ما هي إلا حياة افتراضية أو قل جسراً إن شئتَ لحياته و واقعه الذي يشعر فيه بمطلق الحريةِ و السلطةِ ليستحيلَ الأدبُ من مجرد كونه عالماً افتراضياً أو عالماً بديلاً إلى واقعٍ ملموسٍ محسوسٍ يتمتَّعُ بكل مقوماتِ الحياة ..

تلك المقومات التي تجعلك تستغنى عن كلِّ ما هو غالٍ و نفيسٍ في العالم الذي ظنَّه المزيفون حقيقياً .. ذلك و ببساطةٍ شديدةٍ لأنك أيها الأديب - و أعني هنا الأديب و ليس المدعي - وجدت عالمك الحقيقيَّ لتتضاءلَ إلى جواره العوالم الأخرى بمشتملاتها من ثرواتٍ و شخوص ..

قد يبدو كلامي غريباً بعض الشئ فهناك من يدَّعي أن انفصالَ الأديب عن مجتمعه لن يؤدِّي إلا لمزيدٍ من الرِّدَّةِ الثقافيةِ و عاملاً مساعداً و محفِّزاً لنشاط الكائنات - تحت الحية - التي تدعي و لا تقدم سوى المنِّ و الوعيدِ .. لكن صدِّقوني أنَّ بعالمكم الرائع الجديد تكمنُ قوتكم و تكمن مصادر جذبِ الحقيقيين من القراءِ و المتابعين ..

أنتم في غنى عن ذلك المجتمع المادي الذي يحفلُ بذبابِ المنتفعين و طنينِ الأدعياء .. أنتم أغنى بوعيكم .. أكبر بثقافتكم .. أدوم بتراثكم و حريتكم و حقيقتكم ..

لعلَّ هذا ما أدركه الكاتب المسرحي الأيرلندي الشهير "جورج برنارد شو" (GEORGE BERNARD SHAW)عندما رفض جائزة نوبل حين قُدِّمت له و قال :

" إنَّ هذا طوق نجاةٍ يُلقَى به إلى رجلٍ وصلَ فعلاً إلى برِّ الأمانِ ، و لم يعد عليه من خطرٍ "
جورج برنارد شو

نعم .. عالمك أيُّها الحقيقيُّ هو برُّ الأمانِ لك .. فقط من يغرقُ هو من تراه يرفعُ صوتَه بالصراخِ ليراه الناس .. لينقذونه من الهلاكِ و الموتِ بلا أثرٍ أو قيمةٍ .. في الوقتِ الذي يهنأُ فيه الحقيقيُّ بوصوله لبرِّ الأمان ..

و رهانك للبقاء حيّاً .. مبدعاً .. مرهوناً بوصولك لعالم الحقيقةِ المطلقةِ .. لتكونَ أحدَ مُلَّاكها أديباً فيلسوفاً يمتلك رؤيةً تجاه العالم من خلال إعادةِ ترتيبِ مفرداتِه على ضوءِ رؤيا شمولية لا على أساسِ التشدقِ و الاستعراض الزائف الذي لا يصدر إلا من دجالٍ مشعوذٍ ..

ربما ستلقى مصيراً مشابهاً لمصير "لوركا" و تعدم بالرصاص لكنه إنهاءٌ لعالمك الذي وصفته بالجسر و الذي ستصلُ من خلاله للعالم الحقيقي .. و  لن يستطيعوا أن يعدموك فيه .. عالمك الحقيقيُّ لست مضطراً أن تحتفظَ فيه بتكوينك البيولوجي فإنه باقٍ بعدك بكثيرٍ ..
لوركا

إنه ما قصده "لوركا" حين قال:

" و عرفتُ أنَّي قُتلتُ
و بحثوا عن جثتي في المقاهي و المدافن و الكنائس
فتحوا البراميل و الخزائن
سرقوا ثلاث جثث
و نزعوا أسنانها الذهبية
و لكنهم لم يجدوني قط"


أحمد حنفي - الإسكندرية
12 نوفمبر 2014

الأحد، 26 أكتوبر 2014

شعراء المهجر.. ودورهم في تجديد الشعر العربي

سألني بعض الزملاء أن أعدَّ لهم تعريفاً بالأدب العربي بأمريكا خاصةً أو ما يسمى بشعراء المهجر تحديداً .. و لأن الموضوع بأهميته لم أكن قد اشتغلت عليه قبلاً .. اللهم إلا بحث صغير كنت قد أعددته منذ زمن عن شعر إيليا أبي ماضي عن فترته السكندرية .. رأيتُ أن أنشر ذلك الموضوع الذي أعده الأستاذ / مروان الجنزير .. حيث رأيته ملخصاً و وافياً بآن لدرجة أنه يصلح أن يكون مقدمةً في سلسلة عن شعراء المهجر الأمريكي .. ربما سيكون هناك المزيد من تلك المقالات سأنشرها لكم تباعاً مشيراً لمصدرها و ذلك للأمانة العلمية .. 
و لكم جزيل الشكر و المحبة

أحمد حنفي


و المقالة الحالية منقولة عن الرابط التالي:
http://www.14october.com/news.aspx?newsno=139201

شعراء المهجر.. ودورهم في تجديد الشعر العربي 


إعداد / مروان الجنزير 


بداية الطريق :


يقول الكثير من المؤرخين إن الولادة الحقيقية لشعر المهجر تعود الى أواخر القرن التاسع عشر حيث تعتبر الاندلس .. "أسبانيا حالياً" الحاضنة الحقيقية للجماعات القادمة من البلاد العربية كلبنان وسوريا بعضها هرباً من ظلم الاتراك وبعضها بحثاً عن الرزق وبين الجماعات المهاجرة كانت هناك طائفة من الشبان ترفرف بين جوانحهم قلوب تملؤها الحرية وفي رؤوسهم آفاق رحاب من الفكر النير والخيال الخصب أولئك كانوا من الرعيل المثقف الواعي الذي عز عليه أن يعيش أسيراً للظلم والعوز فأنطلقوا باحثين عن الحرية والاكتفاء .

فئات شعر المهجر :


ينقسم معشر شعراء المهجر الى فئتين الاولى المهجر الشمالي أي "الولايات المتحدة الاميركية" امريكا الشمالية أما الفئة الثانية فكانت في امريكا الجنوبية والمعروف أن الشمال أغنى من الجنوب الفقير الذي يدخل في صلبه شعراؤنا المتواجدون في البرازيل وبلدان أمريكا الجنوبية فلكل من هاتين الفئتين خصائص ومميزات منها الأصيل ومنها المكتسب والتي تتفق تارة مع خصائص الاخرى ومميزاتها وقد تختلف أحياناً أخرى فقد ظهرت الفئتان في وقت واحد وفترة متقاربة جداً تبدأ منذ أوائل القرن العشرين تحديداً مع بداية الحرب العالمية الاولى 1914م- 1918م حيث أسهمت كلتا " الفئتين" في تكوين في تكوين ما عرف بالمدرسة المهجرية الادبية التي تركت كل منها أثرها على الأخرى .

إن فئة المهجر الشمالي على قلة عددهم كانت أبعد أثراً من فئة الجنوب وعلى الرغم من أن الذين ظهروا في الحقل الادبي هم مهاجرو الجنوب الذين ذاع صيتهم وأعمالهم في العالم العربي إلاّ أنهم كانوا لا يتجاوزن عدد الاصابع حتى فئة الشمال فقد تفوق منهم قلة ومن ذاع صيتهم أيضاً قلة إلاّ أنهم أيضاً اثروا الأدب العربي بالعناصر والأوزان الجديدة التي تجلت مع منتصف الخمسينات من القرن الماضي.

رواد شعر المهجر :


هناك العديد ممن يشار إليهم بالبنان على أنهم أصحاب الفضل في إنارة الأدب العربي منهم الشعراء جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وكذا إيليا أبو ماضي ونسيب عريضة ورشيد أيوب وعبدالمسيح حداد وندرة حداد ووليم كاتسفليس والريحاني وأمين مشرق ومسعود سماحة ونعمة الحاج فالثمانية المتواجدون في السطور الاولى هم من أعضاء " الرابطة القلمية" التي أنشئت في نيويورك عام 1920م برئاسة جبران خليل جبران وسكرتيره ميخائيل نعيمة فأعضاء الرابطة القلمية سرعان ما أنتشرت أعمالهم في المهجر والوطن وأقبل المثقفون في العالمين القديم والجديد " العربي والامريكي" على إشباع ذروة عطشهم من القصة والنثر والشعر لما رأوا فيه من حيوية وأساليب غاية في الجمال .

إستطاع أدباء المهجر الشمالي أن يبدعوا في أكثر من ميدان عنوانه الأدب حيث أغرموا بالأدب العربي وجعلوه مملوءاً بأساليب فنية وشقوا طرقاً وفنوناً جديدة حتى لتعد مؤلفات بعضهم أحداثاً لها قيمتها الكبرى في حياة النهضة الادبية في الشرق العربي .

فمن أبرز الأعمال التي ما زالت حية حتى يومنا هذا قصيدة ..المواكب "لجبران" و"الجداول" و " الخمائل" لإيليا أبو ماضي مع عدد من قصائد الجزء الثاني من ديوانه و " الأرواح الحائرة" لنسيب عريضة و" همس الجفون" لميخائيل نعيمة.



النسوة في أدب المهجر :


نظر الأدب المهجري الى المرأة على أنها عنصر روائي مهم وشعري لا يشق له غبار وقصصي أنحنت له الأقلام فهناك مجموعة من النساء اللواتي أسهمت لكن ليس بمستوى جبران ونعيمة والآخرين فمن أديبات المهجر اللواتي حظين بالشهرة عبر صحافة المهجر السيدة سلمى صائغ مؤلفة كتاب "ذكريات وصور" وأيضاً السيدة ماري عطا الله ومريانا دعبول فاخوري رئيسة تحرير مجلة " المراحل" والتي تصور في مدينة سان باولو وأنجال عون شليطا الاديبة والفنانة التي كانت تحب النثر والكتابة وتسهم في الخدمة الاجتماعية أيضاً سلوى أطلس رئيسة تحرير مجلة "الكرامة" التي عاشت أكثر من ربع قرن حيث ولدت سلوى في حمص بسوريا وهاجرت الى البرازيل عام 1913م حيث توفيت هناك.

خصائص ومميزات أدب المهجر :


ما يميز أدب المهجر عن باقي دواوين الأدب العربي الوفرة الكبيرة في العناصر القوية حيث كان الأدب العربي قبلها في عصر الانحطاط لا يزال يزحف كالسلحفاة ينوء بما يجرجره من ركام الألفاظ والأساليب القديمة البالية التي تكبله وتثقله فتعوق مسيرته وتقيد حركته.

من هنا نستطيع القول إن ما تميزت به مدرسة المهجر الأدبية تسع مزايا هي :

- التحرر التام من قيود القديم.

- الأسلوب الفني والطابع الشخصي المتميز.

- والسبع البقية : هي جوهر العمل الأدبي .

- الحنين الى الوطن.

- التأمل.

- النزعةالإنسانية.

- عمق الشعور بالطبيعة .

- براعة الوصف والتصوير .

- الغنائية الرقيقة في الشعر .

- الحرية الدينية.


الثلاثاء، 21 أكتوبر 2014

البوحُ قنطرةُ العبورِ(انفتاح الذات على الآخر في قصيدة "و بيبكي" للشاعر / وليد المصري)

البوح قنطرةُ العبورِ

انفتاح الذات على الآخر في قصيدة "و بيبكي" للشاعر / وليد المصري

بقلم / أحمد حنفي
أحمد حنفي

[1]

لن يكون قدحاً في شعره إذا ما وصفته بالعفوية ؛ ذلك أنَّ جمله - في أغلبها – ذات تركيبٍ بدائي ، و صوره يقدمها لنا في أبسطِ أنماطها و أبعدها عن الغرابةِ و التَّلفيقِ ، إنَّه يطرحُ لنا أنموذجاً للقصيدةِ التي يمكنُ أن نُطلقَ عليها "القصيدة العذراء" ؛ تلك القصيدةُ التي لم تلهثُ خلف ركابِ شاعرٍ آخر ، و لم تفعل بها شوارعُ الشعرِ و أزقَّتُه أفاعيلها و لم تنم بأحضان تجارب السابقين ، و لم تصادق تجربةً معاصرةً لها .. فكانت قصيدةً مختلفةً بعفويتها .. مختلفةً بطزاجتها .. مختلفةً بتأثيرها على النفسِ حيثُ تحتلُّ فيك جزءً سحيقاً من ذكرياتك و تجعلها تطفو على السطح بمجرَّد أن تقرأها للمرَّة الأولى.

و هي قصيدةٌ تعتمدُ على ثقافتها الحياتيةِ و خبرتها المعيشيةِ لتقدِّمَ نفسها لقارئها مستقلَّةً تماماً عن أيَّة أيدلوجيا فكرية و متحرِّرةً من أيِّ قيدٍ معرفي ..

هكذا طرح لنا "وليد المصري" تجربته الشعريَّة الأولى في مجموعتهِ "فوق قضيب الترمايات" [1] .. تيارٌ جارفٌ من العفوية و التلقائيَّة حتى لتشعرَ أنَّهُ يُحدِّثك في جلسةٍ حميميةٍ على المقهى ، يحدِّثُك عن ذاته و ماضيه و تطلُّعاته و تمرُّده و إحباطاته و توهُّجه و ملوحة حلقه و تحوُّلاته و صوت "منير" و "فيروز" و "بائع البيكيا" و "لمبة الجاز" .. إنَّه يشعرك بالحميميَّة المفرطة للدرجة التي تجعله صديقاً مقرَّباً لك بعد أن تفرغَ من قراءةِ قصائد مجموعته .. إنَّه ذاتٌ مفتوحةٌ للجميعِ .. بلا خجلٍ .. بلا ريبةٍ .. بلا زيف.

اليومُ أتوقَّفُ عندَ إحدى قصائد تلك المجموعة لنرى كيف قدَّمت تلك الذَّاتُ الشاعرةُ نفسَها و كيف أنَّها لم تَخبُر طريقةً تتجاوزُ بها الماضي و آلامه غير البوحِ و الاعتراف.

و إليكم النَّص:

و بيبكي

كان واقف يبكي
ويا حيطان العزلة لوحده
و الساعة .. قلبها واقف
و الكون بيدور
بيرجع بيه سِنَّة بسِنَّة
شايف نفسه بمريلة بيج .. و جزمة باتا
و بين دراعاته حاضن شنطة قفلها بايظ
من غير إيد
و الناظر واقف في طابور الصبح
- الطالب اللي مجبش المصاريف ..
يطلع برة .. يخرج
من وسط زمايله
بيقدِّم رجل .. و التانية بيأخر فيها
عينه بتلمع م الإحراج
و تنقط لولي على خده
بينزل نار
ليه كل اصحابي
بيجوا الصبح معاهم ماما ؟
و انا باجي لوحدي !!
و اما بروَّح ..
مش بلقى ف بيتنا غير جدو و تيته
و بابا .. في البيت التاني
و معاه إخواتي و ليهم ماما
قلب الساعة .. لساه واقف
و الكون بيدوَّر فين ماما ؟
تقرب مني و تسمع دقة قلبي [2]


[2]

يحدثنا الشاعرُ عن ذاته باعتبارها آخر غائب ، بالطبع لا نستطيعُ القطع بذلك لكنَّ هناك عدَّة أسبابٍ دعتنا للاطمئنانِ و إصدار ذلك الحكم ؛ ربما هناك عاملٌ نفسي .. فحين تتحدَّثُ عن ذاتكَ و أنت تبكي تكون أكثر تحفُّظاً و مواربةً من لو أنَّك تتحدَّثُ عن آخرٍ ، و ربما رأى الشَّاعرُ أنَّ غيابَ الذَّاتِ عن الحدثِ يعني تورطها فيه أو بمعنى آخر فإنَّ الذّاتَ تقفُ من تجربتها الماضية موقف الرَّاصدِ المحلِّلِ الذي يرى الأمورَ من جميع الزوايا.
كما أنَّ هناكَ أدلَّة أخرى من داخل قصائد مجموعته تؤكِّد على أنَّ الذَّاتّ تتحدَّثُ عن نفسِها لا عن آخر غائب ، و يبدو أنَّ مرحلة الطفولةِ التي عاشها الشاعرُ – و بصفةٍ خاصة مرحلة الدراسة الابتدائية – قد تركت أثراً عميقاً في روحه و خلَّفت بالنَّفسِ ندباتٍ لم يؤسِّها الزَّمن ، ففي إحدى قصائد المجموعة يقول متحدِّثاً عن نفسِه:

"فـى الصورة الأبيض و أسود
باينة الضحكة الصافية بريئة
ويَّا اصحابي و مُدرِّستي
مريلتي البيج ..
كاسيها بياض مع غمقانها" [3]

لعلَّ هذا الكادر السَّابق يشترك في نفس المعنى العام مع قصيدتتنا التي نتحدث عنها مما يؤكدُّ مدى احتفاء "وليد المصري" بتلك المرحلة الحياتية ، أليست مكونات ذلك الكادر تشتبك مع قصيدتنا حين قال:

"شايف نفسه بمريلة بيج
و جزمة باتا
و بين دراعاته .. حاضن شنطة"

إنَّه يريدُ أن يؤكِّدَ على أنَّ شيئاً ما تركته تلك المرحلة في نفسه سواء أكان ألماً .. أم حبّاً ، يقول:

"لحظة ما الحب اتولد
جوة قلبي ناحيتك
كنت لسه في ابتدائي" [4]

تلك المرحلة التي يبني فيها الطفل آماله و طموحاته بالمستقبل و يحلمُ فيها أن يصيرَ كذا .. و أن يفعلَ كذا .. تلك المرحلة أصبحت الآن مدية تطعنُ الذَّاتَ من الخلفِ و تجعلها ذاتاً نازفة ألماً و ذكرياتٍ .. ذلك أنَّ الحلمَ يرتدي زيَّ الإعدام ، يقول:

"أحمر ..
لون بدلة الحلم اللي ساكن
منذ أيام الطفولة
و لسة متعبي في أزايز" [5]

و بضياع الأحلامِ يكونُ مسلوبَ الإرادةِ .. مهزوماً .. منهوكَ القوى ، كل طرقه تؤدِّي إلى الخلفِ في إعلانٍ واضحٍ عن قوَّةِ الأثرِ الذي خلَّفه الماضي في نفسه .. و لما يزل ، يقول:

"إمبارح ..
كان بيسلب مني الإرادة
و يعقد ..
صفقة الصمت
و وأد الحلم جوايا
مفيش فرق ..
كل شارع طالع
رايح على اللي قبله" [6]

هو تيارٌ سائدٌ إذن في قصائد المجموعة ، حديث الذاتِ عن الذات ، ثورة من البوح ، آلام الماضي التي مازالت مبرحةً ، و الشكُّ في مستقبلٍ قادرٍ على تجاوز تلك الآلام و هاتيك المنغِّصات القديمة .. ليعززَ ذلك كله حكمنا بأنَّ الذات في قصيدتنا إنما تتحدَّث عن نفسها لا عن آخرٍ غائب .. فضلاً عن أنَّ هناك قرينة نصيَّة أخرى من داخل القصيدة ، و ذلك حين تحوَّلت الذات عن مقعد الرَّاوي إلى الوقوفِ على خشبةِ المسرح لأداء دور البطل و هو يؤدي المنولوج الختامي .. يقول:

"ليه كل اصحابي ..
بيجوا الصبح معاهم ماما ؟!
و أنا باجي لوحدي ...." [7]

إنَّ هذا الالتفات النموذجي من الغائب إلى المتكلم و إن كان يؤكدُ من جهةٍ أنَّ الذاتَ قد بدأت البوحَ باعتبارها آخر غائب ، فإنه يؤكدُ من جهةٍ أخرى أنَّ "وليد المصري" أطلقَ لمشاعره العنانَ لتحرِّكَ قلمَه و تُملي عليه نصَّه كيفما شاءت و أينما أرادت دون ممارسة أيِّ شكلٍ من أشكالِ التقييدِ و الالتزام .. فلا نكادُ نشعرُ بالصنعةِ إطلاقاً في ذلك الالتفاتِ .. و ليس في ذلك الالتفات و حسب ، و لكن لا نشعرُ بالصنعةِ في النَّصِّ كمجملٍ و الذي تجلَّى في إهمالِ القافيةِ تماماً فضلاً عن بعضِ الاختلالاتِ بالوزن.

الشاعر / وليد المصري


و لا أدري إن كانت تلك الاندفاعات العاطفية و الشحنات الشعورية المضطربة و التي تتحكمُ في شكلِ كتابةِ النَّصِّ و تُملي على الشاعرِ ما ينبغي عليه أن يكتب – لا أدري إن كانت هي ما يُطلقون عليه الطبع الذي هو على النقيضِ من التَّكلُّف و الصَّنعةِ أم لا .. لكن ما أؤكده لكم أنَّ ذلك الالتفات إنَّما جاء بوقته تماماً .. في اللحظةِ التي لا نشعرُ بقيمتهِ و أثره على المعنى إلا فيها.

جاء ذلك الالتفاتُ بعد أن وصلَ الصراعَ النامي إلى ذروته ، إنها بالفعلِ لحظة متأزِّمة و مشهدٌ و إن كان يبدو بسيطاً للبعضِ أو معتاداً للبعضِ الآخرِ فإنَّه لا شكَّ من كونه مؤلماً ..

"يخرج ..
من وسط زمايله
بيقدِّم رجل ..
و التانية .. بيأخر فيها
عينه بتلمع م الإحراج
بتنقط لولي على خده
ينزل نار"

هنا وصل ذلك الصراع النامي إلى ذروته ، و هنا أيضاً توقف الحكي .. توقف لأنِّ الذَّاتَ انتقلت من مقعدِ الرَّاوي إلى خشبةِ المسرحِ كما ذكرتُ قبلاً .. و هنا وصلَ التوترُ السطحيُّ للنصِّ إلى ذروتهِ ، ذلك التوتر الذي قام مقام الطلقِ الصناعي و حفَّزَ الذَّاتَ أو استفزَّها للتصريح عن نفسِها .. لتطفو الذَّاتُ على السَّطحِ و تطفو معها متلازمةُ الانهيارِ و البكاءِ .. و ليكن ذلك المشهد هو تلك اللحظة الفاصلة التي تركت بالقلبِ صدعاً لم يلتئم .. و هو نفسه المحفِّزُ على تجاوزه و عبوره .. و ربما كان البوحُ و الاعترافُ قنطرةَ الذَّاتِ لعبورِ ماضيها و التحرر من آلامه.


أعودُ لأؤكدَ على أنَّ تدفُّق العاطفة للدرجةِ التي تُسيطر فيها على قلمِ الشاعرِ ربما لن تكونَ في صالحه كل مرَّةٍ ، لكنه يؤكد أيضاً أنَّ "وليد المصري" شاعرٌ متميِّزٌ للدرجةِ التي تمكِّنه من كتابةِ نصٍّ يتَّكئُ فيه على الموهبةِ دونَ سواها ، تلك الموهبةُ المتدفقةُ التي جعلته يتوقفُ بالصراعِ عندَ ذروتهِ و لا يُكملُ حكيه مُطبقاً مبدأ من أهم مبادئ الفنِّ و هو مبدأ العزل و الاختيار ، و يلتفتُ التفاتاً جميلاً رائعاً سلساً لا نكادُ نشعرُ به في لحظةٍ توقَّف فيها الزَّمن تماشياً مع الساعةِ التي توقَّف قلبها و توقَّفت معها الذَّات بدورها غير قادرةٍ على تجاوز تلك اللحظة.

[3]
"و بيبكي" ..

لا شكَّ في أنَّ الدراساتِ الحديثةَ الآنَ تنظرُ إلى العنوانِ باعتباره علامةً سيميوطيقية لا يجب إغفالها .. كما لا يجب أن ننظرَ للنصِّ من خلالها فحسب ، بل ننظر إليها أيضاً في ضوءِ ما قدَّمَه النصُّ من علاماتٍ ؛ فبين العنوانِ كعلامةٍ و النَّصِّ كمرسلةٍ علاقة تبادلية يضيفُ كلٌّ منهما للآخرِ و يأخذُ منه في آن.

و إذا ما نظرنا لعنوانِ النصِّ "و بيبكي" كعلامةٍ ذات فضاءٍ دلاليٍّ نجدها تشيرُ إلى الحزنِ و الانهيارِ و الألم ، و إلى غير ذلك من انفتاحاتٍ دلاليةٍ يملؤها الاشتغال الدلالي لتلك العلامة ، إلا أنَّ أهمَّ ما في تلك الدلالات هو اشتمالها على عنصر الزمن ..

"و ما زال يبكي" ..
هكذا يكونُ العنوان إذا ما كُتب باللغةِ لا باللهجةِ ..
قطعاً لاحظتم مدى تخفُّفِ اللهجةِ في المبنى ؛ فالفعل الناقص الناسخ "ما زالَ" و الذي يدلُّ على استمراريةِ وقوعِ الفعلِ الذي يليه ، فهو كان يبكي و ما زال يبكي حتى لحظة القولِ – ذلك الفعل الناقص الناسخ قد استعيضَ عنه في اللهجةِ بحرفِ الباء ، و برغم التخفيف في المبنى إلا أنَّ اللهجة احتفظت بكامل المعنى ؛ فهي تفيد قِدم و ماضوية البكاء و استمراريته ، بل و توقُّع استمرار حدوثه ، و بالتالي فقد أضافَ العنوانُ – كعلامةٍ سيميوطيقيةٍ – للنَّصِّ بُعداً هاماً ..
فأزمة الذاتِ الآنية ليست في فعلِ الاحتياجِ و العَوز و ضيقِ ذات اليد و غياب الأم و تسلُّط الآخر و التي مثَّلت مجتمعةً أذرع الأخطبوط التي أحاطت بها و قدمتها كفريسةٍ مستكينةٍ و مستسلمةٍ تماماً لتصرفٍ اجتماعي و أخلاقي غير مسئولٍ من ناظر المدرسة .. و إنما أزمة الذاتِ – في ضوء الاشتغال الدلالي للعنوان – هي ما تركه ذلك الموقف من أثرٍ يشوه تلقيها لحاضرها و يشوش استشراف مستقبلها ، ذلك الأثر الذي جعل الذاتَ تتوقفُ عند تفاصيل الموقف و لا تتجاوزه ..

"كان واقف يبكي
ويا حيطان العزلة ..
لوحده ،
و الساعة قلبها واقف"

و ما زال مستمراً حتى تلك اللحظة التي تخاطبنا فيها الذاتُ لتعلنَ بيانها الآتي ..

"قلب الساعة ..
لساه واقف"

و ما بين اللحظةِ التي توقف فيها الزمن و حتى لحظة القولِ التي اعترفت فيها الذاتُ ببكائها يظلُّ السؤالُ معلقاً ..

"فين ماما ..
تقرب مني و تسمع ..
دقة قلبي ؟"

إنه سؤال الذاتِ القلقةِ .. المضطربةِ .. التي تبحثُ عن حضنٍ دافئٍ يمنحها السلام و السكينة و الطمأنينة .. إنه سؤال الذات التي تعرت في ميدانٍ عملاق .. و لاحقتها أعينُ المجتمعِ تنهشُ براءتها و توخزها بنظراتها المستعرةِ .. ليبقى سؤالٌ ..

كيف لتلك الذِّات التي اختارت الوحدة و العزلة كمُسكِّنين لآلامها و كحلٍّ للهروب من قسوةِ المجتمعِ و نظرته المستعرةِ لها .. كيف لتلك الذَّات أن تُمارس فضيحتها في قصيدةٍ .. أو لو شئت قلت كيف لها البوح بضعفها و عجزها علانيةً هكذا ..؟!!


ربما أدركت الذَّاتُ أنَّ البوحَ بتفاصيل أزمتها هو فعلٌ ينطوي على شجاعةٍ و مواجهةٍ و أنَّ العزلةَ و الوحدةَ لم يمنحاها غير مزيدٍ من الألم و البكاء ، إنَّ الذَّاتَ أصبحت توَّاقةً للانخراطِ في المجتمع دون خوفٍ أو إحساسٍ بالنقصِ .. و دون كذبٍ و تجمُّلٍ أيضاً .. إنها أدركت أنَّ البوحَ قنطرتُها لعبور انتكاستِها و جسرُها الذي تمدُّه بينها و بين مجتمعها لتصالحه على أساسٍ من الصراحة و القوة و الانفتاح المتكافئ على الآخر بعد سنينٍ من الانغلاق و البكاء ..


[4]

يقدمُ لنا "وليد المصري" شعرية تلقائية .. عفوية .. تتسمُ بالبراءةِ و الانتماء الشديد للقلب .. و لذا فأنت كناقدٍ أو كقارئٍ واعٍ مدرَّبٍ لن تستطيعَ إعمال آلتك النقديةِ الجافةِ و القاسيةِ و التي لا تمتلك قلباً نابضاً ليشعرَ بتباريح و وجدِ و آلام و أفراحِ "وليد" و أتراحِه .. آلتك النقدية الآنَ معطلةٌ تماماً أمام تلك اللحظةِ الإنسانيةِ التي اقتنصتها موهبته و سجلتها في عدَّة سطورٍ سبق و أن وصفتها بالبساطة في التركيب و البعد عن التلفيق ..

فقط تجدُ نفسَك مدفوعاً لقبول ذلك النص على حالته تلك .. استسلم للنص تماماً .. إنَّه شحنةٌ انفعاليةٌ كبيرةٌ من المشاعرِ و العواطفِ التي حرَّكت قلم "وليد المصري" و أملت عليه ما كتبه ، و هي ذاتها التي ستتملَّكُ قلبَك و تفتحُ عينيك على مواطنَ و عوالمَ جماليةٍ مغايرة .. و شعريَّةٍ ذات خصوصيةٍ و فرادةٍ و نكهةٍ مائزة.

أحمد حنفي
الإسكندرية – محطة الرمل
12 أكتوبر 2014


الهوامش

[1] ديوان "حكايات فوق قضيب الترمايات"

[2] الديوان ص55 ، قام الشاعر وليد المصري بتصحيح بعض الكلمات و الأسطر بالنص و التي تسببت بها المطبعة أثناء الإخراج الفني للديوان ، و لذا فهناك اختلافات طفيفة بالنص الذي أوردته بالدراسة عما نُشر بالديوان.

[3] الديوان ، قصيدة "ليه" ص58

[4] الديوان ، قصيدة "من غير حدود" ص59

[5] الديوان ، قصيدة "بدلة الحلم حمرا" ص85

[6] الديوان ، قصيدة "كربون" ص88

[7] المنولوج حتى نهاية النص

السبت، 16 أغسطس 2014

أحمد كامل .. مايسترو جيل التسعينات بالإسكندرية

أحمد كامل .. مايسترو جيل التسعينات بالإسكندرية

بقلم / أحمد حنفي


لشاعرٍ لم يختلف اثنان على شاعريته ، و ينتمي لجيل التسعينات بالإسكندرية ، ذلك الجيل الذي بدا منفصلاً عما سبقه من أجيالٍ و هو كذلك عما لحقه ، فكان كالراقصين على السلم ، إنه شاعر العامية "أحمد كامل" ، مايسترو ذلك الجيل ، و بالرغم من أنه لم يختلف اثنان على شاعريته إلا أنه كان – و لما يزل – مثيراً للجدل و تحيطه علامات الاستفهام و التعجب أينما حلَّ.

يمتلك رؤيته الخاصة تجاه ذاته و مجتمعه ، و من تلك الرؤيا تنبع شاعريته كما ينبع منها أيضاً جدله . ربما كنا ننظر إلى العديد من نصوصه على أنها نصاً واحداً .. مكروراً .. يصدر من نفس الأسباب ليرد ذات النتائج .. غير أنه – للأمانة العلمية – لم يتوفر أحدنا لدراسة تلك الظاهرة للوقوف على مسبباتها .. أو حتى لمجرد تأكيدها أو نفيها.

و كان للغته الشعرية دورها المحفز لذلك الجدل ، إنه شاعر عامية مجيد ، متملِّك لأدواته ، له محاولات حثيثة لكتابة قصيدة الفصحى ، تلك التي تتسرب لنص العامية الذي يكتب ؛ فنجد الكثير من مفرداتها تزاحم قصائده اللهجية ، و ربما مثَّلت مقطعاً كاملاً في ظاهرةٍ تستحقُ أن يُفرد لها بحثاً مستقلاً علها تأتي بنتائجَ مدهشةٍ لمن يتوفر عليها .

الشاعر / أحمد كامل


لا أستطيع أن أنسى ذلك الزخم الحواري و النقاشي الذي دار بيننا حين طالعنا "أحمد كامل" بنصه الذي مطلعه:

"أحد ..
و لا أحد غيري
مفتوح له بوابة تاريخك الزحمة / تناقض"

و كيف كان "أحمد كامل" غاضباً حين رفض جميعنا ذلك اللفظ "أحد" و أننا اعتبرناه اسماً مقدساً فيما اعتبره هو عادياً و يحقُّ له استخدامه في التعبير عن ذاته ، و لما يزل ذلك النص – طيلة عقدٍ و نصف – يمارس نفس الجدلية ، و لما يزل "أحمد كامل" يدافع عنه بنفس الآليات .

و لم يتوقف "أحمد كامل" عن إثارته للجدل طيلة تلك السنوات و موقفه من قصيدة النثر و كاتبيها شاهدٌ على ذلك ؛ إنه لا يعتبرها راقيةً حدَّ القصيدة ، بل هي عاديةٌ .. و عاديةٌ جداً .

"أحمد كامل" شاعرٌ له كاريزما تميزه ؛ فطوله الفارع ، و نظراته الحادة ، و مواقفه المتشددة ، و عصبيته الزائدة ، و نفسه القلقة ، و سخريته من واقعه كلها أمور تؤهله بقوةٍ لأن يكون شاعراً صعب المراس ، و ربما أخَّره ذلك على المستوى النقدي بالرغم من أنه وصل لذروة النضج الفني و الشعري .

و كان لدراسته الموسيقية أثرها البالغ في إثراء وجدانه الشعري لكن من الغريب – و المدهش بآن- أنَّ قصائده حتى لحظتنا تلك يعتورها بعض الأخطاء العروضية .. و بالرغم من ذلك فهي لا تشي بعيبها منذ الوهلة الأولى و كأنه يكتب موشحةً أندلسيةً لا تعتمد الأوزان الخليلية قدر اعتمادها على الريشة و الوتر .. بل إنه و في أحيانٍ كثيرةٍ يعتمد النبر أساساً كمياً جنباً إلى جنبٍ مع التغعيلة .

إنني و إن كنتُ أكتب هذي الشهادة لشاعرٍ تعاملت معه إنسانياً و نقدياً إلا أنني أعتقد أنَّ شعره خير من يقدمه .. و كيف لشاعرٍ مثله يغفل عنه النقاد ؟! في الوقت الذي هم فيه يحتفون بمن لا يرقون لنصف موهبته لا لشئ سوى لأنهم من أصحاب القلوب الخفيفة .. و كذا العقول .


أحمد حنفي

18 أغسطس 2014