الخميس، 20 نوفمبر 2014

الأدب المهجري المعاصر ( 2 )

الأدب المهجري المعاصر (  2 )


مقدمة عن الأدب العربي المهجري المعاصر
والمختارات الأدبية "أنثولوجيا"


 
الأستاذ لطفي الحداد
بقلم الكاتب: لطفي حداد


المراهنة على أدب المنفى:

كيف يمكن للأدب والفنون ـ أي الشعر والرواية والمسرح والموسيقى والرسم _ أن تنمو وتنضج في ظل الأنظمة العربية الحالية، التي لا تؤمن بالحوار والاختلاف!!
الثقافة تتطلب الحوار، والحوار ينمو في تربة الاختلاف، لذلك أرى أن المهاجر الأوربية والأمريكية هي خير بيئة لنمو الثقافة العربية المعاصرة وحصول حوار حقيقي، بسبب تعدد الثقافات وتنوعها واختلاف الآداب المجاورة للأدب العربي، بشكل يسمح بلقاء الآخر دون تسلّط واستبداد.
فالأدب العربي المنفي هو رسالة نبوية من أجل أدب عربي ناضج ومتدفق.
* * *
 الشرق الأوسط تفهمه في المهجر:

كذلك يحمل أدب المنفى رسالة نبوية لأنه يسعى إلى فهم الواقع العربي والتعبير عنه بلا خوف أو تردد، فالأدب في الداخل ما يزال مهددًا بالرقابة والسلطات الدينية والسياسية، كما أن فهم الوضع العربي يكون أكثر وضوحًا من الخارج.

إنّ الأدب المهجري الحالي ـ إذا وعى دوره ومسؤوليته ـ هو الذي يملك الإمكانيات والرؤيا لعمل ثورة في الأدب العربي كله.. لأنه يرى أفضل، ويفهم ويستوعب ويهضم، ويفسر عن بعد، دون أن يضيع في التفاصيل المضللة.
* * *
الأديب المنفي:

الكاتب لا يعيش في وطن، إنه يرتحل نحو وطن،
إنه يؤمن بأن السماء هي الآخرون، ويعيش الكلمة كوطن.. إنه يفهم الانتماء كحاجة طفولية ويتخطاه، لكنه يبقى يحب أن يعود إلى حارته يومًا ويسهر على عتبات بيته.
إنه يظن أن نبوة اللحظة الحاضرة هي الانفتاح على الثقافات المتعددة وقلوب الآخرين،
إنه يحلم بالحرية ليل نهار، ويسافر إلى أرض ميعاده في العيون الصادقة..
إنه الإنسان بضياعه وفرحه وصدقه ومغامرته وجبروته وهزيمته ولوعته وحضارته!!
هذه بعض هواجس الأديب المنفي!!
* * *
اللغة هي الوطن:

حين يكون كل شيء وكل شخص حولك غريباً، أو بالأحرى تكون أنت الغريب وسط كل شيء وكل حياة، تصير الكلمات رحمًا أخرى تدخلها لتطمئن قليلاً وتستدفئ لبعض الوقت!
بالنسبة للمنفي الشعر حياة ، والقصة تجسّدٌ للجوع الروحي، والرواية سفر في الماضي والوطن..

 الأدب المنفي ظاهرة عالمية يضم أدب المنفى العربي داخل جناحيه كأحد جراح، لأن الأدب الحقيقي هو الخارج عن الحدود، الناظر من بعيد لجمال القرية والشاطئ والمقهى، الباحث عن الحقيقة في كل اللغات والعيون والأمكنة، المتحرر من الجغرافيا.
إنه أدب المنفى بلا وطن لأن اللغة وطنه.. اللغة رحم!! اللغة ولادة!
* * *
التكفير وحرية التعبير:

ظاهرة التكفير واحدة من الأشياء المضحكة المبكية في وطننا.. ويبدو أنها تنتصر في معظم الأحوال على حرية التعبير.. فالكثير من الكتب الأدبية تمنع من الدخول إلى بلد عربي أو أكثر. وبالنسبة لأدب المهجر فإنني أتوقع أن معظم الكتب التي ألّفها أدباء عراقيون مثلاً لم تدخل كثيراً من البلاد العربية.. لكن الأدباء دائمًا يجدون الحيل لإيصال كلماتهم إلى الناس. فمن تلك الحيل إرسال كتاب واحد تُنسخ منه مئات أو آلاف النسخ، وتوزع أو تباع بأسعار زهيدة جدًا.. طبعًا كانت هذه الظاهرة واضحة جدًا في العراق قبل الحرب لأن كل أدب من الخارج محرّم..

يعاني أدباء الداخل من تحديد حرية التعبير أكثر بكثير من أدباء الخارج الذين يستطيعون طباعة كتبهم في لبنان (حيث الرقابة أقل من بقية الدول العربية) أو في إنكلترا وألمانيا (هناك العديد من الدور العربية للنشر). لكن الثالوث المحرّم (الجنس والدين والسياسة) ما يزال يضغط على الأقلام ويحدّد ما يجب أن يكتب وما يقع داخل دائرة التكفير. وتبقى مشاكل العرب الأساسية (جنون النفط، الأصولية السياسية، أو الديكتاتورية السلطوية) بعيدة عن التناول، وإن كُتبت عنها مادة أدبية، لا تصل إلى الجمهور المتعطش لحرية التعبير.


إن المنفى الأدبي ليس جديدًا تمامًا في الأدب العربي فقد شعر الكثير من الأدباء العرب عبر التاريخ بمعنى الاغتراب والبعد عن الوطن. واشتاقوا إلى الأمكنة التي تركوا ، والمنازل التي هجروا.. وهكذا صارت المقدمة الطللية (من الوقوف على الأطلال) نهجًا تقليديًا استهلت بها المعلقات، وكثير من القصائد العصماء المشهورة. فها هو امرؤ القيس يبتدئ معلقته قائلاً:

قفا نبكِ من ذكرى حبيب ومنزلِ    بسقط اللوى بين الدخول فحوملِ
وقوفًا بها صحبي عليّ مطيّهــم        يقولـون لا تهلك أسى وتجمّلِ
وإن شفائي عبرة مهــراقة           فهل عند رسم دارس من معوّلِ

ومن قصائد الحنين والغربة غير المعلقات نجد بعض الأبيات المشهورة للمتنبي، خاصة في بلاد فارس حيث يقول:

مغاني الشعب طيبًا في المغاني           بمنزلة الربيع من الزمانِ
ولكنّ الفتى العربيّ فيها                 غريبُ الوجهِ واليد واللسانِ

كذلك عبّر أبو تمام عن حنينه إلى أرضه وبيته وحبه الأول إذ يقول:

نقل فؤادك حين شئت من الهوى        ما الحب إلا للحبيب الأوّلِ
كم منزل في الأرض يألفه الفتى          وحنينه أبدًا لأوّلِ منزلِ

وحين يبتعد الشاعر عن أهله وأحبائه ووطنه لأنه في سجن أو أسر، فإن القصائد تخرج ملتهبة دامعة شديدة اللوعة. فها هو أبو فراس الحمداني يسمع هديل حمامة على شجرة عالية قرب سجنه في بلاد الروم فيتذكر الأهل والوطن ويقول:

أقول وقد ناحت بقربي حمامة    أيا جارتا، لو تشعرين بحالي
أيا جارتا ما أنصف الدهر بيننا     تعالي أقاسمك الهموم تعالي
أيضحك مأسور وتبكي طليقة    ويسكُت محزون ويندب سالِ
لقد كنت أولى منك بالدمع مقلة    ولكن دمعي في الحوادث غالِ

وفي الأندلس، المهجر العربي القديم، نسمع الأمير عبد الرحمن الداخل من القرن الثامن يقول بعد أن نظر إلى نخلة فهاج شجنه وتذكر وطنه:

تبدّت لنا وسط الرصافة نخلة   
تناءت بأرض الغرب عن بلد النخل
فقلت شبيهي في التغرب والنوى
وطول التنائي عن بيتي وعن أهلي

ولما عاد ابن عبد السلام الخشني إلى الأندلس ـ بعد غياب خمس وعشرين سنة (كما يحدث لكثير من الأدباء المهجرين المعاصرين) ـ شعر كأنه لم يرحل ولم يغب قط عنها لأنها بقيت في قلبه وضميره ليل نهار. يقول:

كأن لم يكن بينٌ ولم تكن فرقة      إذا كان من بعد الفراق تلاقِ
كأن لم تؤرق بالعراقين مقلتي      ولم تمر كفُّ الشوق ماء مآقي

وأختتم هذا المقطع بنونية ابن زيدون الذي اكتوى بنار الهجر والسجن والبعاد عن الوطن:

أضحى التنائي بديلاً عن تدانينا        وناب عن طيب لقيانا تجافينا

بنتم وبنّا فما ابتلّت جوانحنا            شوقًا إليكم ولا جفّت مآقينا

نكاد حين تناجيكم ضمائرنا           يقضي علينا الأسى لولا تأسينا

حالت لفقدكم أيامنا فغدت              سودًا وكانت بكم بيضًا ليالينا




لم تكن الهجرة الأدبية والفكرية إلى أميركا مقتصرة على اللبنانيين، فهناك جماعات سورية وفلسطينية أيضًا ومهاجر أخرى مثل كندا ودول أميركا اللاتينية كالبرازيل والأرجنتين وفنزويلا.
هناك تشابه واضح وجميل بين الأدب المهجري في العصر الحديث والأدب الأندلسي في القرن السابع الميلادي. لكن اختلافًا واضحًا أيضًا بين الأدبين يكمن في أسباب الهجرة. ففي الأول كان السبب العامل السياسي المتمثل في اضطهاد الحريات أيام الحكم العثماني بالإضافة إلى الصعوبات الاقتصادية وضيق المعيشة. أما الأدب الأندلسي فقد نشأ من هجرة القبائل والجيوش العربية إلى بلاد إسبانيا بعد الفتح الإسلامي حيث لم يكن هناك اضطهاد سياسي ولا ضيق اقتصادي.

لقد بلغ عدد المهاجرين بين عامي1889ـ 1919 نحو ستين ألفًا، وكان أول مهاجر عربي هو أنطون البشعلاني اللبناني الذي هاجر عام  1854 إلى أميركا الشمالية ومات بعد سنتين من هجرته. أما أول أديب هاجر إلى الأرض الجديدة فكان ميخائيل رستم والد الشاعر أسعد رستم. وبلغت موجات الهجرة قمتها عام 1913.
* * *
الجماعات الأدبية العربية في المهجر بداية القرن العشرين:
* الرابطة القلمية: أنشئت هذه الرابطة في نيويورك في 3 نيسان عام 1920 بدعوة من الأديب عبد المسيح حداد (1890ـ1963) صاحب جريدة «السائح» ومؤلف كتاب «حكايات المهجر». وقد أصبحت جريدة السائح لسانها الناطق، فصدرت أعداد ممتازة منها تصور الحياة الأدبية في المهجر. كذلك يعتبر كتاب الغربال لمخائيل نعيمة الصادر عام 1923 ممثلاً لأفكار الرابطة وروحها التجديدية.

* العصبة الأندلسية: قامت في المهجر الأمريكي الجنوبي عام 1922، في البرازيل بمدينة سان باولو، وكان مؤسسها الشاعر القروي. وقد اتسمت هذه الحركة الأدبية بالهدوء والاتزان والتقليدية فلم تُنتقد كشقيقتها الرابطة القلمية المجدّدة والثورية.
أنشأت العصبة الأندلسية مجلة أدبية حملت اسمها وضمت الكثير من الشعراء والكتاب.
* رابطة منيرفا: أسسها الشاعر المصري المهجري د. أحمد زكي أبو شادي عام 1948 في نيويورك، وكان رئيسها، وانتهت بوفاته، وليس لها أثر كبير في الشعر المهجري.

* الرابطة الأدبية: أنشئت في الأرجنتين عام  1949على يد الشاعر جورج صيدح، واختفت بعد عامين إثر عودة صيدح إلى الوطن.
* * *
هواجس المهجريين:

في قصيدة المواكب لجبران نرى سعي الإنسان إلى السعادة والخلود في عوالم أخرى غير التي يقترحها الشاعر، وهي الغابة، حيث الانعتاق من المحدود ومعانقة المطلق في فرح الراعي على أنغام الناي التي تجسد وتجمع في ذاتها الكون كله.
وهكذا نجد أيضًا عند إيليا أبو ماضي وميخائيل نعيمة هذا النوع من السعي إلى الخلود عن طريق الفلسفة الروحانية المعتمدة على البساطة والعيش في الطبيعة والاتحاد بنغمات الكون الأزلية..
لكن الجواب ليس واضحًا دائمًا فأبو ماضي يعيش اللا أدريّة في لحظات طويلة من حياته، كما أن نعيمة وعريضة يبحثان عن الإنسان ومعنى وحدته وضياع طريقه.
وتبقى الروح الصوفية والنزعة الإنسانية والطبيعة الشفافة لكل أعمال هؤلاء المهجرين واضحة ومشعة وموحية عبر الزمن. إنهم في بحثهم عن معنى الوجود خارج رحم الوطن، وتلمسهم قرارة العدم

واللا معنى، يصلون رويدًا رويدًا إلى حقيقة الصداقة والحب، حيث لا يعود الحنين هربًا إلى الماضي بل غذاءً روحيًا مخصبًا ودافعًا لطيفًا نحو الوطن الأكبر، قلب الإنسانية.

إن الأدب المهجري شكل مدرسة متكاملة رومانطيقية، أساتذتها هؤلاء الشعراء المتمردون المفتشون عن الحرية والمعنى، المغتربون في عالم آخر خارجي وعوالم كثيرة داخلية ، حيث السفر إلى العمق يتطلب جهدًا أكبر من العودة إلى الوطن الجغرافي، وحيث اكتشاف الذّات قد انطبع لديهم بنزعة صوفية وفلسفية متأثرة بالتيارات الفكرية المعاصرة لهم.
* * *
يقول توفيق الحكيم، الروائي المصري المعروف:

«أدبنا الحديث» أدب مراحل بل أدب موجات متداخلة، فالموجة الأولى سورية. قد اندفعت من سوريا ولبنان وهي موجة يمكن أن ندعوها بالكلاسيكية الجديدة، بعثت الحياة في الأدب عن طريق تلقيحها الأسلوب القديم ببعض الفكر الغربي، وهي موجة أنتجت الشدياق واليازجي وفرح أنطون. وأخرجت في مصر بعض شعراء الجيل الأسبق وكتابه. ولعل الرمز الأكمل هو تعريب البستاني للإلياذة.

والموجة الثانية أميركية وهي التي انطلقت من المهجر. ففي المهجر، للمرة الأولى في أدبنا الحديث، ولدت المدرسة الرومانتكية العربية وانبجس الشعر الغنائي والنثر الصوفي، حاملاً نسيم لبنان إلى الحضارة الأميركية ممثلاً في الريحاني وجبران ونعيمة وأبي ماضي.
وأضيف هنا إلى مقولة الحكيم:
«والموجة الثالثة عراقية خصوصًا في مجال الشعر وابتدأت في الستينات وحملت راية التجديد عبر العقود الماضية متمركزة بشكل خاص خارج العراق وأغلبها في المنافي الأوربية.»

الأحد، 16 نوفمبر 2014

الأدب المهجري المعاصر (1)


بعد أن عرضت موضوعاً بالشهر المنصرم عن شعراء المهجر و دورهم في تطوير الشعر العربي للأستاذ / مروان الجنزير .. سُئلتُ من يومين عن الأدب المهجري المعاصر .. هل مازال هناك كُتَّاباً عرب يبدعون ببلاد الغربة و الغرب .. أم أن أدب المهجر خبا نجمه بعد وفاة أعلامه جبران و أبي ماضي و الخال و نعيمة و غيرهم ..؟
لذا فقد بحثتُ عن ذلك الموضوع حتى رأيت عرضاً قيماً للموضوع بقلم الأستاذ / لطفي حداد ، يعرض للموضوع من كافة جوانبه و يتحدث فيه عن ( الأنثولوجيا ) و هو توثيق الأعمال الأدبية للكتاب العرب الذين يكتبون بالعربية و يعيشون خارج الوطن العربي ..
و هو بحثٌ قيم رأيت أن أنشره على أجزاءٍ عدة ..
و للمراجعة و الأمانة في النقل فالموضوع مأخوذ عن موقع : القصة السورية
http://www.syrianstory.com/comment31-7.htm
أتمنى أن تستفيدوا بالموضوع كما استفدت ..
تحياتي لكم ..
و الآن إلى الموضوع


مقدمة عن الأدب العربي المهجري المعاصر
والمختارات الأدبية "أنثولوجيا"
الأستاذ / لطفي حداد

 بقلم الكاتب: لطفي حداد

الأنثولوجيا هي عمل موسوعي يهدف إلى توثيق الأعمال الأدبية (الشعر والنثر) للأدباء الذين يكتبون بالعربية ويعيشون خارج الوطن العربي أي أوروبا ، استراليا ، نيوزلنده ، روسيا ، اليابان ، والأميركيتين...

الغاية من العمل هي إيصال الأصوات المهجرية إلى القراء العرب داخل الوطن العربي وخارجه، وجعل الأدب المهجري المعاصر جزءًا حيًّا وفعالاً في الأدب العربي الشامل. أيضًا لتكون الأنثولوجيا مرجعًا للدارسين والمهتمين في الوقت الحاضر والمستقبل.
إن الكتاب المشترك الذي صدر عن الرابطة القلمية في أميركا عام1921 قد أوحى لي بالفكرة، وهو أنثولوجيا صغيرة ضمت تسعة كتّاب (جبران خليل جبران، ميخائيل نعيمة، إيليا أبي ماضي، نسيب عريضة، رشيد أيوب، وليم كاتسفليس، عبد المسيح حداد، ندره حداد، وديع باحوط) ، وما يزال يصدر في لبنان عن دار صادر. فالرجاء الكبير من وراء هذا العمل أن تحتفظ ذاكرة الأدب العربي بالأنثولوجيا المعاصرة التي هي أوسع وأشمل وتضم أدبًا جميلاً يستحق الخلود!

إن الأدباء العرب في الشتات أو المهجر أو المنفى موزعون ومنتشرون في كل قارة وبلد، ورغم محاولتي التوصل للجميع، إلا أن بعض الأدباء سيبقون بعيدًا عن إمكانية وصولي إليهم (إما لصعوبة الحصول على عنوان بريدي أو الكتروني أو رقم هاتف، أو لتغير هذه المعلومات)، لذلك أضع هذه الدعوة هنا لمن لم يتسنَّ لي الاتصال بهم، مع اعتذاري مسبقًا، وشكري لهم إن تفضلوا وراسلوني.

هذه الأنثولوجيا لا تشمل:
* الذين يكتبون بالفرنسية أو الإنكليزية أو أية لغة أجنبية بشكل أساسي.
* الذين يعيشون بين الشرق والغرب متنقلين، ولم يتخذوا البلد الأجنبي في المهجر كمركز أساسي لحياتهم اليومية.
* الذين عاشوا لفترة في الغرب ثم عادوا إلى الوطن العربي.
* الذين يعيشون في بلد عربي غير بلدهم الأصلي كحال العشرات من الفلسطينيين والعراقيين مثلاً.
* الذين عاشوا لسنين طويلة في الخارج ثم توفوا، أي أنها للأدباء المعاصرين الأحياء.
كما أن هذه الأنثولوجيا ليست كتابًا في النقد الأدبي وتوثيقًا تسلسليًا لأهم الكتاب العرب في الخارج... بل إن هذا العمل الموسوعي يدعو النقاد العرب ، سواء في الداخل أو الخارج ، لدراسة الأدب المهجري وتقديمه للقارئ العربي أينما وجد، كما يدعو القراء العرب لإعطاء آرائهم العميقة والصادقة وممارسة دورهم النقدي.

ليس هناك أي هدف سياسي أو ثقافي أو شخصي وراء اشتمال هذا الكتاب للأدباء المشاركين فيه بل الموضوعية والشمولية كانتا دافعيّ الرئيسين وهناك لائحة أسماء أدباء كثيرين قد أعددتها للجزء الثالث وقد أعددت المختارات الأدبية لبعض منهم وفضلت أن لا أضعها في الجزئين الأولين للمحافظة على فكرة الفسيفساء الأدبية وتجنب طغيان أيديولوجية معينة على أخرى وكذلك بسبب العدد الكبير للأدباء الشباب في الخارج (هناك مئات الشعراء والأدباء الشباب في أوربا وأميركا خصوصًا من العراقيين المهاجرين حديثًا!).

تضم هذه اللائحة على سبيل المثال لا الحصر (لم أستطع الوصول إلى بعضهم):
كريم عبد، كريم الأسدي، برهان الخطيب، مصطفى فهمي، إيمان مرسال، سعيد فرحان، فؤاد ميرزا، محمد النصار، محمد المزديوي، عباس خضر، مفيد البلداوي، عباس الحسيني، كامل جابر، حنان عناد، أحمد حسين، جمال مصطفى، أحمد عبد الحسين، شهد فاتح، زاهر الجيزاني، حميد المحنة، فرج الحطاب، أسعد الجبوري، جاكلين سلام، أكرم قطريب، سليمان جوني، إبراهيم عبد الملك، محيي الدين اللاذقاني، محمد عضيمة، يوسف شرورو، صلاح فائق، شاكر نوري، حبيب جاويش، نجمة حبيب.
* * *
في البداية وجهت دعوة إلى بعض الأدباء الذين حصلت على عناوينهم الالكترونية، وانفتحت شيئًا فشيئًا آفاق كثيرة أمامي حتى وصلت إلى كل هؤلاء الأدباء والأديبات. وقد عُقدت صداقات جميلة بيننا نتيجة العمل المشترك والمراسلات الالكترونية والاتصالات الهاتفية، وإنني فخور بها وهي تملأ حياتي الأدبية بدفع يومي وزخم دائم.
* * *
المهجر الجديد:
إذا كان المهجر والأدب المهجري في بدايات القرن العشرين أميركيًّا ، ولبناني الطابع بشكل أساسي، فإن المهجر الجديد هو أوروبي وعراقيّ الصبغة.
هناك اختلافات جذرية بين المهجر القديم والجديد.. فالهجرة في السابق كانت غربة وعزلة شديدتين حيث طرق المواصلات بطيئة وغالية ، وأغلب المهاجرين لا يعرفون لغات المجتمعات الجديدة ولا شيء عن تلك الحضارات.. أما اليوم فالمهاجرون الذين يعيشون في أوروبا أو أميركا يستطيعون قراءة الجرائد العربية اليومية عبر الانترنت أو الصحف الورقية التي تصل إلى أماكن متعددة من العالم. كذلك يستطيعون التنقل بحرية وبساطة بين الوطن الأم والمهجر (إذا لم يكن هناك مانع سياسي) وهم بسبب الانفتاح العالمي و «العولمة» يعرفون مسبقًا الكثير من أنماط العيش في تلك المهاجر قبل أن يصلوها... فالمهجر الجديد أسهل بكثير من المهجر القديم من هذه النواحي ، رغم أنَ العزلة قد تكون شديدة بسبب الحنين اليومي والجرح النازف كل لحظة نتيجة معايشة أخبار الوطن عن بعد.
* * *
يبدأ الحنين منذ اللحظة الأولى ، ويتحول مع الزمن إلى صراع نفسي بين الذاكرة والواقع، ثم يحصل نوع من الراحة والتأقلم عندما يفهم الكاتب أن البيئة الجديدة تقدم له ساحة لقاء تستقبل فكره الثوري الذي رفضته بلاده، فتعوّض حضارةُ الرقي الإنساني والانفتاح الثقافي قليلاً عن فكرة الوطن ليصير الوطن الحقيقي ـ عند بعض الذين نجحوا في الخارج ـ أبعد من الحدود الجغرافية للوطن العربي، بل ممتدًا على الأرض كلها.
لكن الكثيرين يفكرون بالمنفى ويشعرون أنهم أدباء منفى. فلماذا هذا الاسم ؟
أولاً: لأنه إما أن تمتزج بالمجتمع الجديد وتصير واحدًا معه، أو أن تعيش وجع المنفى واغتراب الروح والأرق المكرَّس للأبد، وهذا الوجع والاغتراب والأرق هو ما يعيشه أغلب الأدباء المنفيين.
ثانيًا: لأن الوطن ليس مكان الذكريات الماضية، ولا حلم المستقبل الذي يأتي ولا يأتي. لكنه لحظة عشق نختارها حتى الموت، ونرحل نحوها كغرباء ومنفيين.. يكوينا الشوق، وتنهبنا لهفة اللقاء. وهذه اللحظة العشقيّة قد اختارها أغلب الأدباء المنفيين.
ثالثًا: لأنهم يعيشون في الشتات أحلام الحرف والوطن والهوية، ويسعون للحرية وقلوبهم مأسورة هناك بين المحيطين!!
رابعاً وليس أخيرًا: لأنهم يعشقون، وعشقهم أوسع من عيونهم التي تربّي رويدًا رويدًا طيور العودة إلى الوطن.

وهكذا فهناك أدب مهجريّ وأدب منفيّ وأدب مغترب (وهو أدب مسافر في مجاهل الإنسانية والكون وفي داخل النفس البشرية نحو حقيقة ما، يبحث عنها الأديب خارج حدود أرضه ومحيطه وكيانه).

السبت، 15 نوفمبر 2014

توضيح حول موقفي من أ. محمود عبد الصمد و د. خيري السلكاوي ..

توضيح حول موقفي من  أ. محمود عبد الصمد و د. خيري السلكاوي .. 

بقلم / أحمد حنفي

بالطبع ليس بخافٍ على المتابع للساحة الأدبية بالإسكندرية ما هو دائر من مناوشاتٍ لا ترقى لأن توصف بالمعركةِ الأدبيةِ بين الأستاذ و الشاعر و الناقد محمود عبد الصمد زكريا و د. خيري السلكاوي و التي تركت الأدب موضوع الخلاف و الأجدر بالمناقشة لتنال الأشخاص و القدح في الذوات و كان لي في تلك القضيةِ رأياً ربما عدَّه البعض معتبراً و ربما البعض الآخر رآه متجاوزاً للدرجة التي سمحت لنكرةٍ من هنا و كائناً من هناك أن يتهمني بممارسة لعبة من شأنها تسليط الضوء على شخصٍ و إخمال ذكر آخرٍ و كفى بهؤلاء جهلاً و ادعاءً أنني لستُ العقَّاد حين أعلنُ أن هذا محققٌ و هذا حقيقي و ذاكَ مدَّعٍ ستلتصقُ بهم تلك الصفات و كأنَّ معي أختام صكوك الإبداع و الادِّعاء ..


لكن الأمر على خلاف ذلك و ربما يجدر بنا شرحه من بدايته ، حيث كانت البداية بالتصريح لجريدة الواقع العربي الإليكترونية عن استيائي للطريقة التي تدار بها الأنشطة الثقافية بقصر ثقافة الشاطبي من فعاليات أراها لا ترقى للمستوى الأدبي الذي نطمح إليه من ذلك مثلاً إنشاء الصالونات الأدبية لأشخاص يديرونها و مع احترامنا لأسمائهم و شخوصهم أرى أننا حين نتحدثُ عن صالونٍ أدبيّ المفترض أن يديره قامةً بحجم د. العشماوي مثلاً و الذي بموته توقفت الصالونات الأدبية بالثغر هكذا أرى أنا معنى الصالون الأدبي و معنى أن يديره قامةً تفيد بعلمها و ثقافتها الحضور من الأكادميين و الأدباء على حدٍ سواء .. هذا رأيي و أنا حر أعبر كيفما أشاء خاصةً و أنني لم أتناول أحداً بعينه بل قلت " أن قصر ثقافة الشاطبي أصبح وكراً لأنصاف المبدعين و المدعين " لكنَّ هذا لا يعني أن كل من يقيم نشاطاً به فهو مدَّعٍ بدليل أنَّ الأستاذ حسني منصور يدير نشاط قصر ثقافة مصطفى كامل هناك و كلنا نعلم من هو حسني منصور و لا أظنه يحتاج شهادة مني ..  بل أظنه لا يعرفني أصلاً و لكن الحق أقول إنَّ لحسني منصور من الوعي و الموهبة ما يمكنه من إدارة ندوة قيمةٍ كتلك التي يديرها و بالتالي ليس كل من يقيم نشاطاً بقصر ثقافة الشاطبي ينسحب عليه التصريح السابق ..


ثمَّ كان ما كان من أزمةٍ نشأت بين الشاعر محمود عبد الصمد زكريا و بين د. خيري السلكاوي و التي لا أعرف سببها الحقيقي و لست أسعى لمعرفته لكنَّ ما استوقفني و بشدةٍ هو إعلان الأستاذ عبد الصمد عزوفه عن حضور ندوات و فعاليات ثقافية بالإسكندرية نتيجة ما ناله من طرف د. خيري السلكاوي و ما ترتب عليه من ضررٍ نفسي أسلمه للإحباط و التخلي عن كافة التزاماته نحو الأدب و الأدباء و هو الأمر الذي رأيته حسب تقديري جللاً و لا ينبغي أن أترك قيمةً كتلك تنسحب من الساحة الأدبيةِ السكندرية مخلفةً فراغاً يعيي من يحاول ملأه .. و وجدتُ نفسي مدفوعاً للكتابةِ ليس لأساند الأستاذ عبد الصمد و لكن لأنني رأيت أن أساند القيمة و الفكرة فربما اليوم عبد الصمد و غداً فلان و بعد غدٍ نراها خاوية على عروشها .. رأيتُ أن أدعم تاريخاً و قامةً كعبد الصمد و لكن عبد الصمد صار لدي كنايةً عن الأديب الذي ما له أن يتخلى عن موقعه و فكرةً أجدرُ بها أن تكون مجرَّدةً معزولةً عن الأسماء و الأحداث .. و هو ما يعني أنَّ الأستاذ عبد الصمد لم يستأجرني للكتابة نيابةً عنه أو دفاعاً أو دعماً لأنه و ببساطةٍ شديدةٍ للذي لا يعرف عبد الصمد أنه أقدر مني للحديث عن نفسه و الدفاع عنها و أنه ليس من هؤلاء الذين يخوضون حروبهم بالوكالة و ببساطةٍ أشدُّ للذي لا يعرفني فلست من هؤلاء الذين يسخرون أقلامهم لحسابِ الآخرين إذ إنني لست طامعاً في مالٍ و لا منصبٍ و لا عضويَّة مكانٍ ما و لا ما شابه ذلك و الجميع يعرف أنني أشتغل على مشروعي النقدي الخاص بالكتابة عن الشعراء السكندريين و الشباب منهم على وجه الخصوص أمثال هشام دياب و وليد المصري و تامر أنور و أحمد كامل و أشرف دسوقي .. و غيرهم الكثير و لن أكون مستعداً لأن تستهلكني تلك المناوشات أو أشباه المعارك للدرجة التي جعلت من نكرة لأن يقول أنَّ "الأخ أحمد حنفي يمارس لعبة ترفع فلاناً و تحط فلاناً" و هو ما ليس بغريب على نكرةٍ تدعي لتري الجميع مثلها ممن يمارسون الألعاب القذرة .. فأنَّى لنا هذا !

أ. محمود عبد الصمد زكريا

 صحيحٌ أنني انفعلت في ذلك المقال و تطاولت .. لكنني كما قلت كنت مدافعاً عن قيمةٍ أراها -  و لمَّا أزل -  فاعلة و مؤثرة بحياتنا الثقافية بالإسكندرية و أكرر أنَّ الأستاذ عبد الصمد لا يحتاجني للكتابة عنه فالرجل موجود و محقق بالفعل لا يكاد يمر شهر إلا و تقرأ له مقال أو قصيدة أو دراسة بدوريةٍ عربية أو مصرية أو تراه محاضراً بندوةٍ أو مؤتمر و آخرها من أيام قلائل بمؤتمر ديرب نجم الرابع عشر بالشرقية ..


و انفعل الشعراء و الكتاب بالمقال الذي كتبت و كان بعنوان "محمود عبد الصمد و مدعو الثقافة" و لاقى ردود أفعالٍ جلها يصب في وعاء الأستاذ عبد الصمد فقط لأنهم يعلمون قيمته ..


و لكن بعد مرور أسبوعٍ تراجع البعض عن آرائه و اعتذر البعض حين راجعهم د. خيري السلكاوي و الذي حين علَّق على المقالِ لم يشر لي من قريبٍ أو بعيد بل ركز كل جهده في الذب عن نفسه و الاهتمام بدحض تاريخ الأستاذ عبد الصمد مغلفاً ذلك بغلالةٍ من السباب و القذف المتعلق بمقدرته الأدبية من جهةٍ و بشخصه من جهةٍ أخرى و أصبح الأمر مرتعاً للتراشق بين كل الأطراف على صفحاتهم الشخصية .. و لأنه لم يوجه لي حديثاً عن مقالتي بتعليقه فقد تجاهلته و لم أرد تاركاً المساحة للأستاذ عبد الصمد أن يدافع عن نفسه إن شاء و ليعلم الجهال أنني لست مأجوراً و إلا لكنت رددت على د. خيري السلكاوي و هذا لم يحدث و كذا لم ينبس الأستاذ عبد الصمد ببنت شفةٍ و لم يدافع عن نفسه و هذا شأنه ..

د. خيري السلكاوي

ثم كان الأمر الذي أحرجني فعلاً حين أرسل لي د. خيري السلكاوي رسالةً على الفيس بوك أنشرها لكم كاملةً ، نصها كالآتي :
(لن اقول لك غير اتق الله فيما تكتبه عنى ولم يسبق لك معرفتى ولم اؤذيك فى شىء و تحرى الصدق .. وليس كل ماتسمعه تصدقه )
فقد أحرجني الرجل بدماثته و لابد أن أعترفَ أنني كنت أتوقع منه تلك الرسالة و لكن ليس بذاك المضمون فقد حدثوني عنه أنه سريع الانفعال كثير السباب يعشق المشاكل و لذا فقد توقعت منه رسالة ملؤها السب و القصف و الوعد و الوعيد .. و صحيحٌ أن أيَّــاً من تلك الأمور له عندي ما يماثله إن لم يكن أكثر لكنني ما كنت لأرد عليه إن فعل حتى لا يستغرقني بعيداً عن مشروعي الشعري و النقدي .. فما كان مني إلا أن أكتب له برسالتي التي أنشرها كاملةً لكم الآن ..


(د. خيري السلكاوي
بدايةً لا شكَّ في أنَّ تقوى الله مطلباً نبتغيه و حصناً نلوذُ به من شرّ أنفسنا فرجاءً لا تطلب مني أن أتقيه سوى أن تكون ناصحاً و هو ما يسعدني على الدوام أن أجدَ الناصحين .. و لك عندي نقطتان موضوعيتان - و بما أنَّك رجل علم - فأعترفُ لك بهما :
النقطة الأولى: أنه يجب عليَّ تحرِّي الصدق
 النقطة الثانية: أنه ليس كل ما أسمعه أصدقه و بالتالي لك عندي في مقابل هاتين النقطتين الموضوعيتين أمران :
الأمر الأول: حذف الموضوع من المدونة و من الفيس بوك
 الأمر الثاني: تكوين وجهة نظر خاصة بي 100% عن كتاباتك الشعرية و ربما يحالفني الحظ و أجد ما طبعت من دواوين شعرية لحظتها لن أتردد عن كتابة وجهة نظري من منظورٍ علمي محايد تماماً و لكن عليك معرفة بعض الحقائق الهامة عن الموضوع و ربما عني ، ألخصها في النقاط الآتية :
أنا لست مدفوعاً من قبل محمود عبد الصمد فلست أنا من يستأجر من قِبل البعض للانتقام من البعض الآخر
إنَّ ما حملني للكتابة عن تلك الأزمة هو أن الشاعر محمود عبد الصمد كتب أنه يتعرض لضغط و تشويه متعمد و أنه سيعكف بمنزله مبتعداً عن الحياة الأدبية و هو ما أثار لدي إحساس بالقهر ينبغي أن يُساند من قبل المبدعين خاصة و أنا أرى أنه شاعر و ناقد مهم و رؤيتي تلك لا علاقة لها بشخصيته و إنما هي الحقيقة التي لا يستطيع إغفالها منصف
إنَّ لي مشروعي الشخصي سواء كان بالشعرِ أو النقد و لن أسمح أن تستهلكني تلك المعارك خاصة و أنا لست طرفاً فيها لكنه كان انفعال و أخرجته على الورق و لن أكرر الكتابة فيه و يكفيني كتابة رؤيتي النقدية عن شعراء الإسكندرية و كتابها بعيداً عن شخصياتهم و حياتهم الخاصة
عندما كتبت ما كتبت لم أكن أقصدك صراحةً و إنما تكلمت عن القضية بعمومها و التي قد يتعرض لها أي أديب
أحب أن أكرر أنني حر في كتاباتي و لا يتم دفعي من قبل أشخاص خاصة و أنني و الحمد لله في غنىً عما يتهافت إليه الناس سواء كان مالاً أو شهرةً كما أنَّ قلبي لا يرجف أمام أحد
أشكر لك صبرك و أعتذر عن الإطالة
و ربما أطلعك مستقبلاً برؤيتي في كتاباتك الشعرية إن كنت مهتماً لذلك و حتى أكون موضوعياً
و ربما وجب عليَّ شكرك لمراسلتك لي على الخاص فيما أعتبره مبادرةً تعبرُ عن دماثتك في المعاملة معي
أحمد حنفي – 13 نوفمبر 2014 )


ثم كان من د. خيري السلكاوي أن ردَّ عليَّ برسالة لن أنشرها لاعتبارات أحتفظ بها لنفسي لكن الرجل ردَّ بدماثةٍ بتُّ ءألفها لديه مشيراً إلى أنه يجب عليَّ نشر اعتذارٍ عما كتبت كما فعل الذين علقوا على المقال الذي نشرت بمدونتي (بوابة النقد الأدبي)  و المعنون كما قلت (محمود عبد الصمد و مدعو الثقافة) و هو الأمر الذي حدا بي أن أكتب ذلك التوضيح المطول فعلى الرغم من كوني لا أرفض ثقافة الاعتذار إلا أنَّ لي تحفظ على ذلك الطلب من د. خيري السلكاوي ؛ فإن كان من حقه أن أعتذر عن بعض التطاول بالمقالِ فأنا لم أذكر أسماءٍ و لم أتناول سيرته و هو الأمر الذي يقيني حرج الاعتذار أما إن كنت مطالباً بالاعتذار عن رأيي في أديب بحجم الأستاذ عبد الصمد فهو الأمر الذي لا يجب الاعتذار عنه لأنه محققٌ بالفعل و لن يجدي فيه رأيي نفعاً و لا ضراً .. لكنني ذكرتُ في أكثر من موضعٍ أنني أنتصر لفكرةٍ قد تطولني في يومٍ من الأيام معاول هدمها ..


لكن عزيزي د. خيري السلكاوي إن كنت ترى في تقديري لدماثتك و حرجي من أخلاقك ما يستوجب الاعتذار فلا بأس إذن أن أعتذر أني توقعت منك السوء و وجدت منك حسن الخلق على عكس ما سمعت عنك ..


أرجو أن تكون مبادرة الصديق المبدع حسام الحداد لرأب الصدع و التي أطلقها في إحدى تعليقاته على المقال محل اهتمام منك و من الأستاذ عبد الصمد ..
 و دعونا الآن نتفرغ لما هو أهم من الخلافات و تضييع الوقت الثمين لكليكما ..
تقبلا احترامي لشخصيكما.


أحمد حنفي
الإسكندرية – 15 نوفمبر 2014

الأربعاء، 12 نوفمبر 2014

الأدب .. و احتمالات البقاء حياً

الأدب .. و احتمالات البقاء حياً

بقلم / أحمد حنفي


ربما لم يرَ البعضُ في الأدبِ مساحةً للحياةِ توازي و تكمِّلُ في آنٍ حياتنا الحقيقية التي نعيشها .. لكنني أستطيعُ أن أجزمَ بأنني أرى في الأدبِ و الاشتغالِ به نمط حياةٍ ..

بل لن أكونَ مجاوزاً لو قلتُ أن الأديب الحقيقي هو من يرى حياتَه الحقيقية - أو هكذا يسمونها - ما هي إلا حياة افتراضية أو قل جسراً إن شئتَ لحياته و واقعه الذي يشعر فيه بمطلق الحريةِ و السلطةِ ليستحيلَ الأدبُ من مجرد كونه عالماً افتراضياً أو عالماً بديلاً إلى واقعٍ ملموسٍ محسوسٍ يتمتَّعُ بكل مقوماتِ الحياة ..

تلك المقومات التي تجعلك تستغنى عن كلِّ ما هو غالٍ و نفيسٍ في العالم الذي ظنَّه المزيفون حقيقياً .. ذلك و ببساطةٍ شديدةٍ لأنك أيها الأديب - و أعني هنا الأديب و ليس المدعي - وجدت عالمك الحقيقيَّ لتتضاءلَ إلى جواره العوالم الأخرى بمشتملاتها من ثرواتٍ و شخوص ..

قد يبدو كلامي غريباً بعض الشئ فهناك من يدَّعي أن انفصالَ الأديب عن مجتمعه لن يؤدِّي إلا لمزيدٍ من الرِّدَّةِ الثقافيةِ و عاملاً مساعداً و محفِّزاً لنشاط الكائنات - تحت الحية - التي تدعي و لا تقدم سوى المنِّ و الوعيدِ .. لكن صدِّقوني أنَّ بعالمكم الرائع الجديد تكمنُ قوتكم و تكمن مصادر جذبِ الحقيقيين من القراءِ و المتابعين ..

أنتم في غنى عن ذلك المجتمع المادي الذي يحفلُ بذبابِ المنتفعين و طنينِ الأدعياء .. أنتم أغنى بوعيكم .. أكبر بثقافتكم .. أدوم بتراثكم و حريتكم و حقيقتكم ..

لعلَّ هذا ما أدركه الكاتب المسرحي الأيرلندي الشهير "جورج برنارد شو" (GEORGE BERNARD SHAW)عندما رفض جائزة نوبل حين قُدِّمت له و قال :

" إنَّ هذا طوق نجاةٍ يُلقَى به إلى رجلٍ وصلَ فعلاً إلى برِّ الأمانِ ، و لم يعد عليه من خطرٍ "
جورج برنارد شو

نعم .. عالمك أيُّها الحقيقيُّ هو برُّ الأمانِ لك .. فقط من يغرقُ هو من تراه يرفعُ صوتَه بالصراخِ ليراه الناس .. لينقذونه من الهلاكِ و الموتِ بلا أثرٍ أو قيمةٍ .. في الوقتِ الذي يهنأُ فيه الحقيقيُّ بوصوله لبرِّ الأمان ..

و رهانك للبقاء حيّاً .. مبدعاً .. مرهوناً بوصولك لعالم الحقيقةِ المطلقةِ .. لتكونَ أحدَ مُلَّاكها أديباً فيلسوفاً يمتلك رؤيةً تجاه العالم من خلال إعادةِ ترتيبِ مفرداتِه على ضوءِ رؤيا شمولية لا على أساسِ التشدقِ و الاستعراض الزائف الذي لا يصدر إلا من دجالٍ مشعوذٍ ..

ربما ستلقى مصيراً مشابهاً لمصير "لوركا" و تعدم بالرصاص لكنه إنهاءٌ لعالمك الذي وصفته بالجسر و الذي ستصلُ من خلاله للعالم الحقيقي .. و  لن يستطيعوا أن يعدموك فيه .. عالمك الحقيقيُّ لست مضطراً أن تحتفظَ فيه بتكوينك البيولوجي فإنه باقٍ بعدك بكثيرٍ ..
لوركا

إنه ما قصده "لوركا" حين قال:

" و عرفتُ أنَّي قُتلتُ
و بحثوا عن جثتي في المقاهي و المدافن و الكنائس
فتحوا البراميل و الخزائن
سرقوا ثلاث جثث
و نزعوا أسنانها الذهبية
و لكنهم لم يجدوني قط"


أحمد حنفي - الإسكندرية
12 نوفمبر 2014