الخميس، 30 أبريل 2015

مشكلة الإغراق في المجاز


مشكلة الإغراق في المجاز 


بقلم / أحمد حنفي


يمنحنا المجاز المفرط دائماً تجاعيد على وجه القصيدة وبالتالي فهو سلاح ذو حدين إما يغمرك بنشوة النص وإما يخرجك خارج دائرته وبالتالي فقدت القصيدة دورها وتحولت إلى ظاهرة لغوية - بلاغية ..وتحولت القصيدة من دورها كمرسلة لن تتحقق إلا في ذهن المتلقي إلى شفرةٍ يجتذبها التأويل إلى أقرب حالة نفسية للمتلقي وهي سمات القصيدة الشخصانية التي لا تتحقق بالكامل إلا لدى كاتبها فهو وحده من يمتلك شفرتها ..ليس معنى ذلك أن القصيدة المفتوحة على مصراعيها للمتلقي قصيدة جيدة .. بل اعتبرها بودلير من سمات الشعر الزائف كونها تفرط في التعبير عن المعنى ورأى أن الشعر لابد وأن يعرض من خلال صورة مبرقعة (أي: من خلف حجابٍ شفيف)يتبقى لدى الشاعر حساسيته ومقدرته في استخدام المجاز لصالح الفن وانتصاراً له وليس من أجل الانتصار للتفرد والتمرد بآن ..وعي الشاعر هو من ينبئ بشاعر يعيش وسيظل وآخر يموت بعد قصيدته بثوانٍ قلائل...

30 إبريل 2015

الإسكندرية

الأحد، 19 أبريل 2015

والقرنفُلِ إذا هوى

والقرنفُلِ إذا هوى


شعر / أحمد حنفي



(أ)
أحملُ نبضتينِ من دماءٍ
وأنزفُ بعيداً
خلف صحراءٍ ..
تنمو على جانبي النهرِ
أُفرِّغُ قلبي ..
وأعودُ طيفاً يحومُ
أصقلُ نصلاً جديداً
أطعنني
فأنزفُ حروفاً تتشكَّلُ ..
وبعضَ قصيدة

(ب)
أرسمُ بالنصلِ على جدارِ القلبِ ..
بيتاً
تسكنه الملائكةُ
وعلى سبيلِ الاحترازِ ..،
ألقيتُ شِفرةَ مفاتيحِهِ بأشعاري ؛
فالملائكةُ لا تقرأُ الشعرَ
سأعلِّمهم كيف يكتبونه في المستقبلِ
وكيف يستغفرون به من اللا ذنبِ
وحرصتُ أن يكونَ بلا نوافذ ..
غير التي تطعنُ الصمتَ ؛
لأنني علمتُ أنَّ الملائكةَ ..
لا تُجالس الشعراء

(ج)
يحدثُ في تلك الصحراءِ البعيدةِ ..
أنَّ زهرةً ..
بدت مرشوقةً في جبينها
بعد يومين أنبتت ساقينِ عاريتينِ
وراحت تطفقُ عليهما من المجازِ إزاراً
وأخرجت نهدين مكتملي الاستدارةِ
وخصراً .. ينبضُ بالتَّمحُّنِ
تجلسُ في الليالي القمريةِ
مُرخيةً جدائلَها على صدرها
تترنَّمُ بصوتها / السحرِ
تُصوِّبُ في عينيّ حلمتيها المنتصبتينِ
تُشهِّيني ..
بشهدها المُسالِ على إزارها
إنها تتخلَّلني تماماً
عند الفجرِ ..
نستبقُ إلى النهرِ
لترتدي مجازَها الشهيَّ ..
ونبضتينِ من دمي

(د)
كلما سطعَ في السَّماءِ نجمٌ ..
هوت إلى الأرضِ قرنفلةٌ
وكحبَّتينِ من التَّوجُّسِ
أحملُ الطريقَ على كتفي؛
فالقرنفلُ لا يرتدي حذاءً ضدَّ المطرِ
ولا تطربُهُ نغماتُ المرجانِ اللاذعةُ
لطفاً أيُّها المرجانُ ..
دعني أتذوَّقُ حبَّتينِ منهُ ..
قبلَ أن تدهمَهُ بموسيقاكَ التي لم تُلحَّن بعد ..

(هـ)
قد أضطرُّ إلى إغلاقِ النَّافذةِ الآنَ
مُتَّكئاً على صمتي ..
اقرأُ لشاعرٍ .،
انداحَ على صدرِ قصيدةٍ
وتسلَّلَ عبرَ لُعابِ زهرتهِ ..
  كوميضٍ
أستطيعُ أن أراه الآنَ ..
منتحراً
بين دفتيِّ كتابٍ ..
لُطِّخت أوراقُهُ بالقرنفُلِ ..
بعد أن كتبَ قصيدتَهُ ..
(والقرنفلِ إذا هوى)

(و)
صوتُها المألوفُ كضجيجِ المقهى
ربما كصوتِ الترامِ
لقاطنِ الشُّرفةِ المطلَّةِ على الميدانِ
صارَ لا يرسمُ خارطةً للنَّبضِ
ولا يحملُ منعتقاً للبوحِ
سوى زهرة ..
غادرها الذهولُ ..
حينَ نبتت عاريةً في تلك الصحراءِ البعيدةِ
لم أكن أعلمُ أنَّها تنتمي ..
لتلك التي يسمونها ..
                     القرنفُل.


                                                      7 إبريل 2015

الثلاثاء، 7 أبريل 2015

نم صديقي

نم صديقي 



مهداه لروح الصديق الشاعر / أحمد الفلو



شعر / أحمد حنفي

الشاعر الراحل / أحمد الفلو

نم صديقي ..

عند موج البحرِ

أودع نبضةً من فجرك الضافي

و سلِّم ..

عندما ينسلُّ خيطُ الليلِ من قلب الفتى

يا للفتى ..

قد أرَّقتهُ النورساتُ

بِغزلهنَّ شِباكَ بوحٍ للمدى

نمْ 

..
ثُمَّ قَلِّبْ جفنكَ المَقذيَّ بالبحرِ ..

ترى الموجَ حصاناً من حنينْ

عندما كنَّا على مقهى ..،

تُفجِّرُ ضحكةً من صدرك الرقراقِ ..

يرتقها الأنينْ

كنتُ أشعرُ ..

أنَّ لونَ الأرضِ يبهتُ

أنَّ وقتاً ..

كان يمنحُكَ الكِساءَ الموسميَّ ..

قد تعثَّرَ ..

و هْو يعبرُ ضِفَّةَ الروحِ

و أنَّ الماءَ في ثورتهِ ..

قد أبدلَ القلبَ ذهولاً

عندما ضَلَّ الطَّريقَ النَّرجِسِيَّ

أنَّ شِعراً يتدلَّى من جَبينِكَ ..

نازفاً ألماً على وجه السطورِ

سوف يندملُ قريباً

يهجرُ القلبَ الشَّجيَّ

نمْ صديقي ..

عند شمسٍ ( نَيِّره ) *

( تنسجُ العمرَ قميصاً لأبيها ) **

يرتديهِ ..

حينَ تنفَضُّ المساءاتُ و ترحلُ ..

للبلادِ المقفره


----------------------------

*( نيرة ) اسم بنت الشاعر الراحل / أحمد الفلو

** السطر من قصيدة ( نيرتي ) للشاعر الراحل / أحمد الفلو ، ديوان ( وهرات ) ص 60

الثلاثاء، 24 مارس 2015

لماذا لا أقرأ لحسن الجندي

لماذا لا أقرأ لحسن الجندي؟


بقلم / أحمد حنفي


منذُ فترةٍ ليست بالبعيدة طالعتنا دور النشر المختلفة بسيلٍ من الروايات لكتَّابٍ شبابٍ انقسم حولهم المتلقون ما بين مؤيدٍ مثَّلهم جيلٌ شابٌ لمّا يزل يتشكل معرفياً ووجدانياً، خبرته بالقراءةِ لم تتخطَ البدايات ورؤيته قاصرة لا تقدم حكماً نطمئن إليه، ومعارضٍ مثَّلهم الكتّابُ والمثقفون والنقاد.

والحقُّ أقول لكم أنني لم أكن من بين صفوف المؤيدين ولم أنتظم بسلك الرافضين، بل انتحيتُ جانباً أطالع روايات وقصص ومسرحيات من هم أمثال يوسف إدريس وإبراهيم أصلان وسعد الدين وهبة وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ والمنسي قنديل ورضا إمام وعبد الحكيم قاسم وغيرهم العديد والعديد، أمارسُ تلك القراءات وأنا سعيدٌ تماماً بما أفعل, كما هو حالي تماماً مع الشعر والنقد واللغة، وأنا من الذين يؤمنون بالتراسل بين الفنون فأجدُ صورةً لغويةً وسرديةً رائعة لدى نجيب محفوظ في ثلاثيته يصفُ فيها (أمينة) زوج (السيد أحمد عبد الجواد) أقفُ أمامها مندهشاً فاغرَ الفمِ لما له من ملكةٍ على الوصف والسرد بلغةٍ راقيةٍ لأخرج من بعدها صارخاً في وجه صنَّاع الفيلم ونجيب نفسه قائلاً: (خدعونا يا أمينة أيتها الجميلة البضة)

وكنتُ كل فترةٍ أتسائلُ ماذا قدَّم هؤلاء الكتّاب الشباب؟ ماذا أضافوا؟ أتسائلُ عن رؤيتهم و زوايا تناولهم لموضوعاتهم؟ وعن حظهم من فنيات السرد والقص؟ وعن لغتهم المنوط بها توصيل رسالتهم؟ أتابعُ من بعيدٍ وأتوخى ألا أنزلق في سيلٍ قد يعرقل متعتي, أعترفُ أنني كنتُ مخطئاً، ولكن لماذا أنا مخطئ؟!

بدأتُ الولوج لهذا العالم من الكتابات الشابة على يد صديقي (محمد عبد اللطيف) الذي كان –ولما يزل- معجباً بتلك الكتابات خاصة تامر إبراهيم، قرأت له بضع قصصٍ من مجموعته (حكايات الموتى) إنها تحققُ متعةً لحظيةً ولا تناقشُ شيئاً، منزوعة الرؤية واللغة والأسلوب، تماماً كالجبن منزوع الدسم، وأكيدٌ أننا لا نود أن نمارس ذلك (الرجيم) القاسي حال ما يتعلق الأمر بغذاء العقل والروح، مما دفعني لعدم الاقتراب لرواياته مثل (صانع الظلام) و(الليلة الثالثة والعشرون) فضلاً عن أنه لا يقدم رعباً أصلاً كما يدعي وكما يظن جمهوره الغض البدائي تجربةً ووعياً.

اتخذتُ قراراً واخترتُ الرجوع إلى ما كنت عليه، بيد أن صديقي (عبد اللطيف) راح يصف لي مدى ما يتسمُ به (حسن الجندي) من روعةٍ في الأسلوبِ، وانسيابيةٍ في السردِ، وغرابةٍ في الطرح، وتوقفتُ عند مصطلح الغرابة لأتذكر كتاب الدكتور شاكر عبد الحميد –وزير الثقافة الأسبق-(الغرابة – المفهوم وتجلياته في الأدب) وحدَّثتُ نفسي أن حكمي على جيلٍ كامل من خلالِ أحد عناصره لابد وأن يكون خاطئاً؛ إذ لا منهجية في ذلك الحكم.
حتى مررنا بشارع النبي دانيال أقدم شوارع الإسكندرية على الإطلاق نطالع عناوين الكتب أنا وصديقي المفضل (عبد اللطيف) وتوقفنا عند أحد أكشاك البيع لصديق لنا اسمه (أسامة) اعتادَ أن يمنحنا خصماً خاصاً للمعرفة القديمة – أصيل (أسامة)!




انتفض (عبد اللطيف) واشترى ثلاثية (حسن الجندي) المسماه (مخطوطة ابن إسحاق) مدينة الموتى – المرتد – العائد؛ سيما بعد الإقبال التاريخي إن شئت، أو الخرافي إن أحببت أن تنعته على الجزء الثالث بمعرض القاهرة الدولي للكتاب في دورة 2015 و بعد أيامٍ قلائل جاءني (عبد اللطيف) وقد أنهى قراءة الجزء الأول (مدينة الموتى) مما أثار إعجابي خاصة وأنني كنت قد أعطيته مجموعة (أرني الله) لتوفيق الحكيم من شهرٍ تقريباً ولم يرجعها حتى الآن!!

دفعني الفضول لأتناول منه (مدينة الموتى)، وبدأت أقرأها آملاً أن يغير حسن الجندي من قناعاتي السيئة عن جيلٍ شوَّهه في عينيّ تامر إبراهيم، فكانت انفعالاتي مزيجاً من الضحك والحسرة بآن وأنا أطالع مقدمة ما يسميه رواية – على سبيل المجاز – لم أقرأ سواها وكفى بقطرةٍ من الإناء لتفضحَ ما فيه.
وإليكم المقدمة كما وردت بالطبعة السابعة! عن دار اكتب ...

ظل الشاب مغمض العينين وهو يرتجف ومن جسده تخرج اهتزازات خفيفة دلالة على الخوف , أما من خلفه فقد تحرك ذلك الكائن الغريب وهو يتجه ناحيته.
كان الكائن متوسط الطول لا يرتدي شيئاً تقريباً , ولكن الغريب أن جلده كان مغطى بالكامل بالشعيرات الطويلة ، وفي أعلى رأسه وبين الشعيرات كان هناك قرنان صغيران يخرجان منه.
أما الشاب فكان يرتدي ملابس غريبة بعض الشيء لا تمت لهذا العصر.

ملامح ذلك الشاب غريبة ، تعطيك انطباعاً من أول مرة أنها ليست ملامح عربية , ربما كانت في وجهه لمحة من الوسامة لا تخفى على أحد، بالرغم من حدة وجهه والتصاق حاجبيه.

مشهد غريب جداً فالشاب يقف في غرفة خالية تماماً وهناك شمعة صغيرة بجانبه على الأرض، أما الشاب نفسه فقد كان مغمض العينين وقد أعطى ظهره للكائن , فهو لم ينسَ التحذير الذي سمعه قبل أن يحضر الكائن ، يجب عليه أن يغمض عينيه ولا ينظر خلفه أبداً في فترة حضور ذلك الكائن
كان الحوار يجري بينهم بلغة غريبة تشبه العربية ، أعتقد أنها الفارسية.

-  ماذا تريد أيها الطفل ؟

انطلقت تلك العبارة من الكائن ،  انطلقت بنبرات خافتة جعلت الخوف يسري في جسد الشاب الذي رد بنبرات مرتعشة :

-  أريد القوة , القوة المطلقة والأمان باقي حياتي.

أقترب الكائن من الشاب أكثر حتى أصبح على مسافة سنتيمترات منه ، ثم اقترب برأسه من أذنه وقال :
- إذا أردت القوة سنعطيك بعضها ، ولكن إذا أردت السيطرة فيجب عليك تقديم قرابين من البشر!

قال الشاب وهو يرتجف :
-  أوافق .

فقال الكائن :

-  إذن أدر وجهك لي ولا تفتح عينيك ،  ونفذ كل ما أقوله
لك.

***

والآن لماذا لا و لن أقرأ لحسن الجندي ...

لأنه لا يعرف أن من يرتجف ترادف معنى الاهتزازات الخفيفة الذي أردفه خلفها، ولأنه لا يعرف كيف يسرد الحالة الشعورية ويكتفي بالحل الأسهل البدائي ويصرح بكل سذاجة (دلالة على الخوف)، ولأنه لا يعرف أن الشعيرات ليست طويلة فهي تصغير شعرة، ولأنه لا يعرف أن التصاق الحاجبين دلالة على الوسامة تضيف لها ولا تأخذ منها، ولأنه لا يعرف أن من يهم بتحضير الجان لا يحدثه من خلف أذنيه لأنه ببساطةٍ يقف داخل دائرةٍ يسمونها دائرة التحصين، ولأنه لا يعرف أن الجان مخلوقٌ لا يوافق بسهولةٍ على السخرة مثله مثل غيره من الكائنات، ولأنه لا يعرف أن باللغة ما يسمى بالضمائر والتي من شأنها أن تمنع ذلك التكرار للفظة (الكائن) التي تكررت بكثافةٍ في المقطع الذي أوله (مشهد غريب جدا)،و لأنه لا يعرف أنه لا يوجد شبه بين الفارسية والعربية حيث تنتمي الأولى لعائلة اللغات الهند – أوروبية بينما تنحدر الثانية من اللغة الأم المفقودة والتي يشترك معها الآرامية والعبرية والحبشية، ولأنه لا يعرف كيف يصوغ جملته، ولأنه لا يعرف كيف يقيم حواراً.

فكل ما سبق يجعلني أقول باطمئنانٍ تام .. أنا لا أقرأ لحسن الجندي وتامر إبراهيم.


أحمد حنفي

الإسكندرية - 24 مارس 2015


الاثنين، 23 مارس 2015

أمي


أمي

شعر / أحمد حنفي


في الليلِ أكونُ
أمارسُ أحلامي في زهوٍ
أخرجُ من طورِ الأضلولةِ
لكني ..
مازلتُ أحاولُ
أن ألقي آخر فضلاتِ الساعاتِ الأولى من ليلي
همساتُ العقربِ في الساعةِ
- تلك الملقاة على الحائطِ -
تقتلني
أشعرها لصاً
يخترقُ اليلَ
ويكشفني في أوضاعٍ ما !
لا يبقى سوى أمي
أثقلها آمالاً ..
أن تُسمعني "كحات" أمومتها
وهْي تمارسُ أحلامَ الليلِ
فتنشلني ..
تستسكنني ..
آهٍ من (تستسكنني) هذي!
لو تدري ..
كيف تعانقني الدهشةُ حين أُمرِّرُ كفي فوق جبيني
لحظتها ..
تحميني كحتها
وأمارسُ ليلي ثانيةً
دون الفضلاتِ
ودون اللصّ
فقط ..
أستشعرُ أمي ..
وهْي تمارسُ كحتها في الليل




أحمد حنفي
18 إبريل 2000

الخميس، 19 مارس 2015

إشكالية الإيقاع في قصيدة النثر

قصيدة النثر : المفهوم والجماليات (3)



نقلاً عن الرابط التالي:
http://www.startimes.com/f.aspx?t=32810825


إشكالية الإيقاع في قصيدة النثر

حين سئل أبو حيان التوحيدي : لم لا يطرب النثر كما يطرب النظم ؟ أجاب لأننا منتظمون فما لاءمنا أطربنا " وهذا الرأي يلخص الموقف التذوقي والنقدي للشعر في التراث العربي منذ قصائد العصر الجاهلي وحتى وقت قريب ، أما تجربة قصيدة النثر فقد نظر أصحابها إلى جوهر الشعر وتعاملوا معه لامع قوانينه التي تغيرت تبعا لاختلاف الذائقة وإيقاع الحياة . وهم يرون أن الشاعر الحقيقي لا يقف عند شرطي الوزن والقافية بل تنطلق رؤاه من نقاط تعبيرية وفنية تخضع لموهبة الشعر . يقول باشلار عن تشكل التعبير الشعري والصورة الشعرية (( هي بروز متوثب ومفاجئ على سطح النفس ، لا تخضع لاندفاع داخلي وليست صدى للماضي ، فمن الصعب معرفه على أي عمق يتم رجع الأصداء وكيفية تلاشيها )) .(1)

ومما لاشك فيه إن من أهم عناصر البنية النصية في المفهوم الشعري سواء في قصائد الشعر الحديث والمعاصر أو الشعر القديم هو ما يمكن أن نطلق عليه (
مصطلح نظام الأصوات) ليضم في نطاقه الوزن والإيقاع وضروب الترجيع والتكرار والوقفات والنبرات والتردد والإقدام والعلو والدنو .


إن كل ما من شأنه أن يحدث في النص تموجات وذبذبات باعتبارها جميعا إذا اتسقت وتناغمت ووظفت وجعلت في نسق أحدثت ضروبا من الموسيقى المقيسة على وفق النظام العروضي القديم أو على وفق أي نظام إيقاعي آخر جديد ينبع من إيقاع الحياة أو إيقاع العمل دون أن تكون له صورة مسبقة الصنع . وبذلك يشمل فهمنا هذا جميع أنواع الشعريات الصوتية التي تلتزم في صياغتها اسلوب الأداء الموسيقي في عنصرين رئيسيين : هما التناغم والانسجام . (2)


من المعلوم أن دراسة الظواهر الشعرية معزولة كدراسة الإيقاع أو الصورة أو الرؤيا لايمكن أن تخلق لها خصائصها وسماتها المتفردة التي تصلح معايير التفريق بين أنماطها بل إن ما علينا هو دراستها ضمن مفهوم شبكة العلاقات التي تشكل البنى الكلية .


لقد لاحظ ( كمال أبو ديب ) ملاحظة ذكية في هذا الصدد وهي انه كلما أمعنا في الشعر في الاعتماد على الصورة الفنية ابتعدنا عن التركيز على موسيقية الأداء والعكس صحيح .(3)


برغم التطور البطئ للإيقاع على المستويين النظري والعملي (( فأن دارسي الشعر الحديث في ضوء علاقته بالموسيقى والإيقاع مازالوا يبدءون من نقطة الصفر ، مازالوا يتحدثون عن مسائل الوزن والقافية والعروض الخليلي وغير الخليلي وطبيعة الشعر العربي وجوهر الإيقاع وماهيته وضرورته أو عدم ضرورته للنص الحديث .(4)


ولهذا فمن المسلم به أن الشعرية بصورة عامة لايمكن أن تهمل عنصر الإيقاع بسبب وجود علاقة بين الإيقاع وبين العصر لأنه جزء من حركة الحياة يتغير بتغيرها ويلبي حاجاتها ولوجود علاقة صميمية بين أشكال التعبير الشعري وبين تغيرات الإيقاع وتحولاته .


في اعتقادي – كما يعتقد الكثيرون – إن أولئك الذين يرون أن الإبداع الشعري لا يكون بالتحلل من التقاليد أو القيود ولا سيما الوزن والقافية ويحملون الرأي العام بأنه يطالب بشعر يطرب له ويصفق له حين يسمعه هم بالتأكيد واهمون لأن ذلك ببساطة يلغي فعل الزمن حين يجعل من الإبداع القديم النموذج الأسمى الذي يصبو إليه كل إبداع .


إذاً فإشكالية الإيقاع هي جزء من إشكالية الموقف في التراث . ولكن الأمر قد تطور كثيرا فحين بدأت نازك الملائكة في كتابها ( قضايا الشعر المعاصر ) تؤسس لإيقاع التفعيلة معتمدة الأبحر الصافية ، نجد أنها ما لبثت أن أجازت استعمال الأبحر الممزوجة في مقدمة طبعته الرابعة .(5)


مما حدا بالناقد محمد النويهي في كتابه ( قضية الشعر الجديد )(6) لأن يلفت النظر إلى مسألة ( النبر ) ثم خطا كمال أبو ديب في كتابه ( البنية الإيقاعية في الشعر العربي ) إذ بين أن موسيقى الشعر ليست وقفا على عروض الخليل وان أبحره لا تمثل إلا وجهة نظر وحيدة الجانب في القضية . (7)


وإذا عدنا إلى التطبيق والنصوص الشعرية فسوف نراها قد تجاوزت ما اقترح لها من إيقاعات تجاوزت الوزن وتجاوزت حركة التجربة الشعورية التي هي أساس النص القائم على التفعيلية لتبني لها مع قصيدة الحداثة – قصيدة النثر – أنظمة صوتية مغايرة تعتمد على العين والمكان وإيقاع التأمل والتلقي : إلى درجة إن النص أصبح نصا يشاهد ويرى ويتأمل حلت فيه العين محل الأذن والصمت محل إيقاع الحركة ، حتى أصبح النص بمثابة تسجيل الحالة وليس التعبير عنها فقط وبمفهوم آخر برز في النص الشعري إيقاع الصورة بدلا من إيقاع الغناء وبسبب هذا الإيقاع اتجهت الكتابات الشعرية نحو التوزيع والمساحات البيضاء والإشارات والأسهم مما يذكرنا بان طريقة القول هي الأكثر أهمية مما يقال وبالتالي فهي الأكثر شعرية وهذا الرأي يذكرنا برأي الجاحظ الذي عرضه في ( البيان والتبيين ) من أن المعاني موجودة على قارعة الطريق وان العبرة بالصياغة وطريقة الأداء.


لابد أن هنالك هاجس تجريبي لشعراء قصيدة النثر ليراهنوا على قوة التأثير وهو التجريب في الشكل أو اللغة والسؤال هنا هو هل هنالك بلورة شكلية استقرت عليها قصيدة النثر يقول جمال جاسم أمين في كتابه ( أسئلة النقد ) إن مثل هذه المسألة تعود بنا إلى ضرورة التذكير بأن قضية الإشكال هي توصيفات نقدية مقترحة لتحقيق غاية الشعر الأمر الذي يجعل من الشعر بوصفه جوهرا هو المطلب الأساس وعلى الشاعر أن يتحرى هذا المطلب بأساليب .. على وفق ما تتطلبه ظروف تجربته الشعرية .
ويقول أيضا ( إن لغة النثر اقرب إلى التأملات الذهنية من نبرة الوزن ولعل هذه المسألة هي إحدى الطروحات التي اعتمدتها قصيدة النثر في تكريس مشروعها النظري ).(9)


على هذا الأساس فان المعرفية التي تنحاز إلى النثر هي على الضد من الإيقاع لأنها تؤدي إلى إضعافه ، إذ لايمكن فصل الحقيقة الشعرية عن تعبيرها ، لقد أدركت بعمق أن المشكلة الشعرية مرتبطة بمشكلة اللغة ارتباطا وثيقا . وحيث أن آلية الشعر الموزون المقفى أكثر دقة من الكلمات نفسها فان هذه الآلية تعلو على التوافق بين الصوت والمعنى وبين الفكرة والإيقاع فالتجربة الشعرية تترجمها اللغة .


ينبغي أن نطمح دائما إلى أهداف تتعدى أهداف النثر العادي الشائع وان نبتعد عن الصفات المجانية والغموض وان نتخلص من كل تزويق لفظي وزخرفة ترسمها العناصر المختلفة بأسلوب تنوع النبرات وعلاقاتها برسم الجملة الشعرية .


يبدو أن الانسجام العام في القصيدة هو الذي سوف يعطي لها ( نغمتها ) الخاصة بها لكي نحرص على وحدة الجو العام ونتلافى كل تنافر مقزز في الأصوات للحصول على بنية متوازنة لجسد القصيدة . علينا أن نستخدم النبرات الإيحائية لاغناء القصيدة .


نحن نستفيد الآن في قصيدة النثر من شكل حر جدا ، مفتوح لنستقبل فيه كل القياسات الموسيقية تلك التي تتعدى حدود التقرير المجرد .. ذلك أن الانطلاقة المفاجئة اللاهثة المبنية على أسس هندسية معمارية خلابة سوف تعطي للقصيدة روحا وجسدا ، وتكسبها وجودا أدبيا خاصا .


فقصيدة النثر نشاط ذهني حقيقي يحرر الفرد ويفترض فلسفة بأكملها عن العالم ، وقد أعطت زخما جديدا للشعر ، لأن هنالك عوالم مجهولة تفتحها وفجوات واسعة في العالم المرئي تحاول أن تقتحمها بعيدا عن الفردية المتحمسة ، ولأنها محاولة ناجحة لتخطي الامكانات الطبيعية للغة ، إنها تحاول تحفيز عدة عوامل في آن واحد كما هو الشأن في مقطوعة موسيقية ، فالأذن إذا كانت قادرة على سماع عدة أصوات في آن معا فان الذهن لا يستطيع متابعة أكثر من موضوع في وقت واحد إذ لابد من وجود مدة زمنية ليكون هنالك بعد فضائي للانسياب اللغوي . وبناءً على هذا لابد لقصيدة النثر أن تمارس ذلك الانسياب التزامني كي تبدو كأنها وميض مكثف جدا أكثر من كونها بناء في الزمان .


أن الإيقاع النثري هو خلق لغة شعرية جديدة أكثر مرونة وتنويعا يتكيف مع حركات الروح الغنائية وتموجات الخيال ورجفات الضمير ، حيث انه من الممكن إعطاء النثر إيقاعا وتناسقا في قصيدة جيدة الرصف وذلك بأحكام البناء الإيقاعي الخلاب من خلال الرغبة في إيجاد طرق صورية تعطي إيقاعا ملحوظا بهندسة محكمة .
يقول – اوليفيه – معرفا الإيقاع بأنه ( اجتماع أزمنة عديدة تحتفظ فيما بينها بنظام ما وببعض النسب )(10) في هذا التعريف نجد أن اوليفيه يشير إلى عنصرين رئيسيين هما ( نظام محدد ) و ( نسب ) وتعلق سوزان برنار قائلة ( بوسعنا القول إن الإيقاع سيولد حينما يكون نظاما محددا وعلاقات تناسب ملموسة في المجموعات الإيقاعية الطويلة تقريبا أو المتعددة التي تشكل وحدة من الدرجة الأولى ( بيت شعر ) أو من الدرجة الثانية ( مقطع ) لأن الجزء الإيقاعي – وهو ما يسميه الرمزيون ( التفعيل الإيقاعي ) تشكله كلمة آو مجموعة كلمات يكون المقطع الأخير فيها مشدداً . (11)


اذاً فنحن نبحث عن تأثيرات إيقاعية حيوية ومدهشة في قصيدة النثر ، وأيضا نبحث عن عناصر شعرية في النثر بطريقة الإيقاع النثري لنحصل على نتائج شعرية جديدة تماما ، وبناء على ذلك سيكون بمقدور النثر الإيقاعي أن يدخل ( الحدث ) في الشعر عن طريق المفردات وبناء الجملة الشعرية .
إن الإيقاع في قصيدة النثر ينبغي أن يخضع لقوانين غير القوانين التي تدير النثر الخطابي ليكون كيانا فنيا من أهم صفاته الوحدة العضوية والتركيز والشفافية المهمة لإثارة الهزة الشعرية .


إن نتاجا شعريا – أي نتاج – ينبغي أن تحكمه ( علاقات ) سواءاً على الصعيد الأفقي ( السياقات النغمية ) أو على الصعيد العمودي ( التناسقي ) بين مختلف الأصوات / الرنين – المعنى – الإيحاءات .


وأخيرا إن قصيدة النثر في أدبنا العربي الحديث – على الرغم من حداثة عهدها / قد أعطت نماذج رائعة وهي تتجه إلى صيغ أكثر حيوية ، وهي أداة شعرية جديدة ، إنها قبل كل شئ علم عروضي جديد مبني على الإيقاع وليس على البحر مما يمنحها خصوبة فهي ليست مجرد شكل انتقالي بقدر ماهي صيغة إيقاعية جديدة.


الهوامش :


1.
سوزان برنار- قصيدة النثر
2.
يوسف جابر- قضايا الأبداع في قصيدة النثر
3.
كمال أبو ديب – الشعرية
4.
نعيم اليافي – أطياف الوجه الواحد
5.
نازك الملائكة- قضايا الشعر المعاصر
6.
محمد النويهي – قضية الشعر الجديد
7.
كمال ابو ديب – البنية الأيقاعية في الشعر العربي
8.
جمال جاسم أمين – أسئلة النقد
9. 9-
المصدر اعلاه
10.
سوزان برنار – قصيدة النثر